شخصيّات

نبذة عن حياة المؤرخ والأديب “أحمدُ البِشْرُ الرُّومِيُّ”

1997 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الثاني

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

أحمد البشر الرومي شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

أحمدُ البِشـْرُ الرومِيُّ مؤرخٌ وأديب، وُلِدَ في مدينة الكويت عام 1324هـ: 1905م. ولمّا تأسستْ المدرسةُ المبارَكِيَّة كان من أوائِل المُقْبِلين عليها، فالتحق بها عام 1912.

وتخرج منها عام 1921. وشارك بعد تَخَرُّجِه في حياةِ البحر. فكان غَوَّاصا يطوفُ مع زملائِه البَحَّارةِ سواحلَ الخليج العربيّ  بحثاً عن اللُّؤلؤ، وكانتْ مدةُ الغوص (وهي في الصيف) أربعةَ شهور، فَحَفِظَ عن ظَهْرِ غَيْب شيئاً كثيراً من الشِّعر العاميِّ مِمَّا كان يردِدُّه البَحَّارة

واسْتَظْهَر أكثرَ من قطعةٍ من (المَوَّال) في فَنِّ الزهيري في ألحانها الحزينة المصوَّرة لآلام البحَّار راحلاً على ظهِر سفينته أو مُقِيماً في البلاد يطوف حول سفينتِه الراسيةِ على السِّيف (شاطىءِ البحر).

 

وتَعَرَّفَ أحمدُ البشـرُ على صقْرِ الشبيب وهو شاعرٌ من شعراء الفُصْحَى في الكويت، وكان صقرٌ ضريرا، ويسكن بجوار مسكنهم.

فأخذ أحمدُ يتردَّدُ على مسكنِه، يسجل أشعارَه ويقرأُ له. فقرأ كتابَ "النَظَرات" وكتاب "العَبَرات" للأديب مصطفى لطفي المنفلوطي وبعضاً من كتب مصطفى الرافعي. فوجد في القراءة لَذَّةً فَحَرَصَ عليها.

وأقبل نحوها لا يثنيه شيءٌ عنها. ووجد في الشِّعرِ الفصيح ما لَمْ يجدْه في الشِّعر العاميِّ فَحَفِظَ من قصائد الشعراء ونوادِرهم؛ حفظ لإبن الرومِيِّ و للمتنبي ولغيرهما من شعراءِ العربية قُدَمَاءَ ومعاصرين.

 

وفي مسكن صقرٍ رَحِمَهُ الله تعرَّف على الشيخ عبد العزيز الرشيد، مُؤَرِّخ الكويت الأَوَّل، وكان لصقرِ صديقا، فتعلَّم أحمدُ البشـرُ من الرشيدِ تدوينَ المعلومات وتسجيلَها. 

وكان الرشيدُ ضعيفَ البصـر يعتمدُ على الخطابة فكان خطيبا فصيحا، فكان يُمْلِي على أحمد البشـر شيئا من المعلومات التي سَمِعَها فيخشى نسيانَها،

وكان البشـرُ حريصا على قراءة كلِّ ما يصل إلى الشيخ الرشيد من كُتُب ومَجَلاتٍ، مثل مجلة "الشبان المسلمين" التي كانت تصدر في البصـرة، ومجلة "الفتح" التي كان يصدرها محيي الدين الخطيب من مصـر.

 

واشترك أحمدُ البشـر في شراء جريدةِ "الأهرام" المصـرية ومجلَّة "اليقين". وكان يصدرها محمد الهاشمِيُّ من بغداد.

وبصلته بهذين الرجلين تفتَّحتْ أمامه آفاقُ المعرفة وسُبُلُ العلم، فانطلق ينهَلُ منها ويشـرب من مواردها، مُبْدِياً اهتماماً بالأدب وبالتاريخِ حريصاً على التُّراثِ القديمِ شعبيًّا أو فصيحا. وكان يجمع كلِّ ما يتصلُ بالكويت وما جاوَرَها، من كتبٍ ومن وثائقِ ومنشوراتٍ وأوراقٍ.

وكان جَلْداً صَبوراً جادًّا في البحث حريصا على اقتناء الكتبِ المطبوعةِ في بداية النهضةِ والمخطوطات، وكانَ يسافر بحثا عنها.

 

فسجَّل في وقت مبكر المعلوماتِ المهمة والتراثيةَ عن الكويت فحفظها بكل ما يستطيع من أدوات الحفظ سواء أكان ذلك بالتسجيل المكتوبِ أم المَرْئِيِّ أم المسموع.

لقد بدأ حياتَه بحّارا فذاق عذاب البحر فكان من أصدقِ الناس تعبيرا فيما يتعلق بهذا البحر. وعَمِلَ مدرسا للتاريخ والجغرافيا في المدرسة الشرقية.

وكان عضوا في مَجْلِسِ المعارف في حياة أمير الكويت الراحل الشيخ عبدِ الله السالِم الصباح. وكان عضوا في نادي المعلمين، ولقد رأس بعضَ بعثات النادي الثقافية في الخارج.

 

لقد تنقل في الوظائف الحكومِيَّة من موظَّف بسيطٍ في الجمارك إلى أن صارَ وكَيلاً مساعداً في وزارة الماليَّة. وقد أحال نفسَه للمعاش في بداية السبعينَات.

ولقد أنشأت وَزَارةُ الشؤون الاجتماعية والعمل لجنةَ الفنون الشعبية في عام 1957، فكان رحمه الله من أَبرزِ أعضَائها.

فأشرفَ بنفسه على جَمْع وتسجيلِ فنون الغناء البحريّ، فكانت سجلاً ووثيقةً فنيةً ما زالتْ تضمها وتفخر بها مكتبةُ مركزِ رعاية الفنون الشعبية، الذي تعرض للنهب والسلَب أثناء الاحتلال العراقي الغاشم لدولة الكويت في اغسطس 1990. ومكتبةُ قسمِ التراث الفَني في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداَب.

 

ولقد قام بتسجيل فنون "الصوت" التي كان يغنيها الفنّانُ يُوسُف البكر قبل موتِه بقليل. ويُوسُف البكر كان تَلَقَّاها سَمَاعاً من الفنان القدير المرحوم عبدِ الله الفرج وبهذا حَفِظَ البشـرُ تراثاً قديماً كاد يكون مجهولا.

لقد كان واحداً من أول مؤسِّسي جميعةِ الفنانين الكويتيين وكان أَوَّلَ رئيس لمجلس إدارتها عند إنشائها.

ولقد قَدَّمَ أحمدُ البشـر للمكتبة العربية- رغم عزوفه عن الكتابة- ثروةً من المعلومات سَجَّلَها في الصحافة المحلية عَبْرَ مقالاته أو لقاءاته مع الصحف أو مع طُلَّاب المعرفة من الذين يُقَدِّمون رسائِل الماجستير والدكتوراه.

 

ولعلَّ من المفيد تعدادَ بعضِ مؤلفاته فمنها كتابُه "مقالاتٌ عن الكويت" وهو مجموعة من المقالات كتبها تِبَاعاً في مجلة "البعثة" عن تاريخ الكويت ونشأتها الأولى، فجمعتْها مكتبةُ الأمل ونشرتْها عام 1966.

فكان هذا الكتابُ برهانا على ما يمتلكُه أحمدُ البشـر من قُدْرَةٍ على الإلمام بدقائقِ المعلومات المتناثرة ورَبْطِها بإحكام يشير إلى عقلية منْهَجِيةٍ وتفكير علميّ سديد.

وسجل أحمد البشـر في بطاقاتٍ كلَّ ما يتعلق بحياة البحر فجمع بكلِّ مثابرة حوالَيْ ألف مصطلحٍ من تلك المصطلحات ظالتي يستخدمُها البحارة في العمل والإبحار والغوْصَ، وصناعةِ السفن ومُسَمَيَّات أجزائها، ومُسَمَيَّات البحر في حالاته المختلفة. وقد شرح تلك المُسَمَيَّات شرحا وافيا رادًّا كلَّ مصطلح إلى أصله.

 

وقد توصّل إلى أن معظمَ هذه المصطلحات والمُسَمَيَّات ذو أصلٍ عربيِّ فصيح، بل لقد تجاوزها ما هو عربي من هذه المصطلحات إلى ما يفوق في نسبته 80% من مجموعها، أما الباقي فقد رأى أنها ذاتُ جذورٍ أجنبية هنديةٍ أو فارسيةٍ أو غربية من انجليزية وبرتغالية.

ولعلَّ أجملَ ما في صُنْعِهِ هذا هو أنه وجد تجانسا ما بين مُسَمَيَّات أجزاء السفينة في البحر وبين مسميات أجزاء الجمل وهو المسمى سفينة الصحراء.

ومن كُتُبهِ القيّمةِ: كتابُ "الأمثالُ الكويتيةُ المقارنة"، جمعه وساعده في تبويبه حسب الموضوعات الأستاذُ صفوتُ كمال، وعاون الرجلين في تنسيق المادة محمدُ عِمْران.

 

ولقد جمع في هذا الكتاب الأمثالَ الكويتيةَ وقرنها بالأمثال في الأقطار العربية، وهو في جزءين وقد صدر الجزء الأول من الكتاب سنة 1978.

وكفى الأستاذ البشـر فضلاً أننا استطعنا بفضل جهوده أن نحتفظَ بديوان شاعر الكويت الضـرير المرحوم صقر الشبيب كاملاً مع دراسةٍ قيّمة عن حياة الشاعر وشعره بشكل مُفَصَّل.

وقد ضبط بالشكل مادةَ الكتاب وراجعها الأستاذُ المرحوم عبدُ الستَّار فراج، وقد نُشِـرَ هذا الديوانُ عام 1970.

 

ومن أعماله كتابة مقدمة ديوان الشاعر الشعبي فهد بورسلى وراجع المادة وضبطها، وقد صدر الديوان عام 1974م. كما كتب مقدمةَ ديوانِ الشاعرِ الفصيح الأستاذ عبد المحسن الرشيد، وكتب مقدمة كتاب "الموسيقى والغناء في الكويت" لأحمد علي وصدر سنة 1980.

لقد كان رحمه الله موسوعِيِّ الثقافة حريصاً على العِلْم. وقد شارك في كل جهد ثقافيّ في الكويت تَوَفَّاه اللّه يومَ الأربعاء في الحادي عشـر من ربيع الأول عام 1402هـ الموافق السادس من يناير عام 1982م. وأوصى بمكتبته للدولة. واعترافاً بفضله وتخليداً لذكراه أطلقتْ وَزَارةُ التربية اسمَه على إحدى مدارسها.

هذا وقد كَرَّمَتْ مؤسسةُ الكويتِ للتَّقَدُّمِ العِلْمِيِّ الأستاذ أحمدُ البِشْـرُ الرُّومِيُّ فمنحتْ اسمَه جائزةَ الكويتِ في الفُنُونِ والآداب عام 1984م. وتَسَلَّمَتْ أسرتُه الجائزةَ. وهكذا تُخَلَّدُ الكويتُ ذكرى المُبَرِّزين من أَبْنَائِها الذين أَخْلَصُوا لَهَا وأَسْهَمُوا في رِفْعَةِ شأنِها.