التاريخ

أصل ظهور “اللغة العربية” الفصحى والعامية

2002 موسوعة الكويت العلمية الجزء الثالث عشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

اللغة العربية الفصحى اللغة العربية العامية التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

خرجت اللغة العربية الفصحى أولا من شبه الجزيرة العربية مع الفتوح الإسلامية، وانتقلت إلى بيئات مختلفة كان بعضها يتكلم لغات غير العربية.

ولما تمت الفتوح الإسلامية واستقرت الدولة العربية انتظمت اللغة العربية في تلك المناطق التي تعرف بالدول العربية.

بل إن علماء المسلمين الذين كانت أصولهم من بلاد إسلامية لا تتكلم العربية، مثل، البيروني والبخاري والرازي، فضلوا أن يكتبوا مؤلفاتهم العظيمة باللغة العربية. والبلاد التي دخلت الإسلام وتحولت إلى اللغة العربية، تحولت إليها طواعية دون إكراه.

 

وكانت اللغة العربية التي خرجت إلى تلك البلاد تتمثل في صورتين: الأولى لغة موحدة هي لغة التراث الأدبية القديمة، والتي تضم أشعار العرب وكلامهم وأمثالهم ثم القرآن الكريم.

وهذه اللغة ازدهرت وتطورت ونمت قبل الإسلام في مكة والحجاز، أما الصورة الأخرى فهي لهجات القبائل المختلفة.

وظلت اللغة الأدبية موحدة في البيئات العربية الجديدة بعد الفتوحات الإسلامية زمنا طويلا، لم يدخلها إلا قليل من التغيير بعد أن استقلت تلك البيئات العربية بعضها عن بعض، وتناثرت في أنحاء متباعدة متفرقة.

 

لكن الاتصال الثقافي بقي بين الشعوب العربية من خلال التنقل والسفر بين أبناء تلك الشعوب العربية. وظل التراث الأدبي القديم عاملا مهما في الحفاظ على اللغة الفصحى الأصيلة.

إن اللغة العربية الفصحى هي لسان العرب جميعا، والأساس الأول في تحديد «هويتهم»، وتمييز كيانهم بين الأمم.

ولذلك لا بد من الحفاظ عليها، والاهتمام بها والدفاع عنها وصونها من التحلل والضعف. ولا بد أن يقف العرب جميعا ويتصدوا لأعداء الفصحى الذين يريدون طمسها والقضاء عليها.

 

واللغة العربية هي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم الذي تعهد الله، جل جلاله بحفظه: «إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» (الحجر: 9).

ولما دخل الإسلام أقوام من غير العرب كانوا شديدي الحرص على فهم لغة القرآن على أتم وجه. وهكذا نشأت علوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة وفقه لغة ونحوها، وألفت المعاجم الكبرى. وهذه كلها ضوابط تحفظ للفصحى صحتها ونقاءها.

أما العاميات أو اللهجات فقد ظهرت في البداية على لسان القبائل العربية المتناثرة في أرض الجزيرة العربية وغيرها من البلاد في المشرق والمغرب العربيين.

 

وكان العرب يجتمعون في مواسم التجارة والحج، وكل واحد منهم يتحدث بلهجة قومه وقبيلته. ولما كانت هذه الاجتماعات واللقاءات تحتاج إلى توحيد اللسان والتحدث بلهجة متقاربة واحدة، وكانت لهجة قبيلة قريش أشهرها حيث تقام على أرضها التجارة والمباريات الشعرية والخطابية.

كانت لهجة قريش هي أكثر اللهجات التي يتداولها الناس في ذلك الوقت، ويستخدمونها في تلك اللقاءات.

ومع ذلك قد أثر عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أنه خاطب بعض القادمين من القبائل بلهجاتهم العربية الخاصة.

 

وكل لغة أو لهجة عامية تنتمي إلى جماعة معينة في بيئة خاصة بهم، ولها ألفاظها وأساليبها الخاصة. فهناك، مثلا، لهجة للبدو، ولهجة لأهل المدن (الحضر)، ولهجة لأهل الساحل، وهكذا.

والعامية هي لغة الكلام والتخاطب، وأحاديث الناس في شؤونهم العامة المعتادة. ومن الطبيعي أن تكون لها صور خاصة في كل بيئة من البيئات العربية.

وهكذا نشأت في بلادنا العربية تلك اللهجات العربية الحديثة، التي تختلف من بلد عربي إلى آخر. والذي يزيد الأمر سوءا هو دخول ألفاظ أجنبية كثيرة شابت اللهجات العامية في البلاد العربية.

 

وأصبحت هذه الألفاظ الأجنبية تستعمل على نطاق واسع في الأسواق، وفي اللافتات، والإعلانات، وبعض وسائل الإعلام. وهذا خطر يهدد لغتنا وهويتنا العربية، ويدعو إلى الفرقة بين أبناء أمة واحدة.

إن اللغة الفصحى تعد من أقوى الدعائم للتوثيق والتقارب بين الأفراد في البلاد العربية. ولتحقيق ذلك لا بد من أن تقرب بين تلك اللهجات المختلفة التي يستخدمها أهل كل بلد عربي، حتى ينطق جميع أفراد الشعوب العربية لغة واحدة هي إن اللغة العربية الفصحى بقواعدها وحروفها وألفاظها وأساليبها.

ومن ناحية أخرى يمكننا أن نلاحظ أن كثيرا من الألفاظ المستعملة في اللهجات العامية هي ألفاظ عربية صحيحة أصيلة دخل عليها بعض التحوير: بالزيادة أو النقص في حروفها، أو في ترتيب حروفها، أو في ضبط النطق بها؛ وهذا يمكن تقويمه.

 

ولعلماء اللغة المحدثين دراسات جيدة في هذا الاتجاه، ويمكن الإفادة منها في رفع مستوى العاميات وترقيتها وتقريبها إلى العربية الصحيحة.

ووسائل الإعلام الراقية التي تدخل الآن كل بيت عربي تستطيع أن تقوم بدور بالغ الأهمية في التقريب بين العاميات العربية واللغة العربية الصحيحة الفصيحة، هي التي قد أصبحت الآن لها تيسيراتها وخصائصها الحديثة التي لا تخرجها عن حدود الفصاحة المقبولة.

 

وهذه وسيلة مؤكدة للتقارب والتوحد بين أبناء هذه الأمة، وتمكين بعضها من الإفادة من الثمار الفكرية لبعضها الآخر.

ترى لو كانت هذه الموسوعة قد كتبت بأي لهجة عامية محلية، أكانت تصبح مقبولة ومفهومة لجميع الأطفال العرب؟!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق