التاريخ

نبذة تعريفية عن مميزات “الطب العربي الإسلامي”

2001 موسوعة الكويت العلمية الجزء الثاني عشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الطب العربي الإسلامي مميزات الطب العربي الإسلامي التاريخ الطب

مارَسَ العَرَبُ الطِّبَّ في العَصْرِ الجاهِلِيِّ بِشَكْلٍ فَرْدِيٍّ بُدائِيٍّ، مُسْتفيدينَ مِمَّا وَصَلَ إلَيهم من مُمارَساتِ الأُمَمِ القَريبَةِ من جَزيرَةِ العَرَبِ، في فارِسَ والهِنْدِ.

ولم تَخْرُجْ هذه المُمارَساتُ عن أَداءِ طُقوسٍ سِحْرِيَّةٍ واسْتِخدامِ بَعْضِ النَّباتاتِ الّتي عُرِفَ بالخِبْرَةِ الشَّخْصِيَّةِ أنَّ لها آثارًا عِلاجِيَّةً مُعَيَّنَةً.

ولكنَّ الطِّبَّ العَرَبِيَّ الإسْلامِيَّ، في صورَتِهِ المُنَظَّمَةِ القَابِلَةِ للتَّطَوُّرِ والانْتِشارِ، بَدَأَ بالتَّرْجَمَةِ عَن الأُمَمِ السَّابِقَةِ، الّتي بَدَأَتْ مَحْدودةً في الدَّوْلَةِ الأُمَوِيَّةِ ثُمَّ بَلَغَتْ ذِرْوَتَها في العَصْرِ العَبَّاسِيِّ بَدْءًا من عصرِ المأمون.

 

وفي بِدايَةِ الأَمْرِ كانَتْ تَرْجَمَةُ  الطِّبَّ اليونانيِّ عن طَريقِ اللُّغَةِ السُّـرْيانِيَّةِ، نَقْلاً عن الأَطِبَّاءِ السُّـرْيانِ الّذينَ هاجَروا إلَى فارِسَ واسْتَوْطَنُوا مدينَةَ جُنْديسابورَ، حَيْثُ عَاشَت عَائِلَةُ بُخْتَيشُوع؛ ويَرْجِعُ هذَا الفَضْلُ أَساسًا إلَى حَنَّا بْنِ ماسَوَيْه.

ما لَبِثَتْ التَّرْجَمَةُ أَن انْتَقَلَتْ إلَى تَرْجَمَةِ الطِّبَّ الإغْريقِيِّ مُباشَرَةً. ومُعْظَمُ هذا قامَ به حُنَيْنُ بنُ إِسْحَاقَ وابْنُهُ وابْنُ أُخْتِه، ولَمْ يَكونوا أَطِبَّاء.

وهُنا تَبَيَّن الأَطِبَّاءُ العَرَبُ أَنَّ الطِّبَّ الإغْريقِيَّ المَنْقولَ عَنْ طريقِ اللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ لم يَكُنْ خَاليًا من الأَخْطاءِ، فَبَدَأَ الأَطِبَّاءُ العَرَبُ يُتَرْجِمونَ مُباشَرَةً عَن اللُّغَةِ الإغْريقِيَّةِ.

 

وهذا ما قامَ به ثابِتُ بنُ قُرَّةَ وابْنُهُ سِنانُ وابنُ أُخْتِه. ثم جَاء العَهْدُ الذَّهَبيُّ عِنْدَما بَدَأَ الأطِبَّاءُ العَرَبُ التَّأْليفَ في الطِّبِّ بَعْدَما اسْتَوْعَبُوا ما تُرْجِمَ من طِبِّ الإغْريقِ.

ومِنْ أَعْظَمِ من أَلَّفَ في الطِّبِّ الإسْلامِيِّ أبو بَكْرِ الرَّازِي، وبَعْدَه بِقَرْنٍ جَاءَ ابنُ سينا. ويُعَدُّ أَبو بَكرِ الرَّازي المَثَلَ البَارِزَ للطِّبِّ العَرَبِيِّ الإسْلامِيِّ الّذي تَمَيَّزَ بِما يَأْتي:

 

* احْتِرامُ ما قَالَهُ الأَوَّلونَ، بِخاصَّة جالينوسُ وأَبُقْراطُ، مَعَ قُدْرَتِهِمْ علَى تَجاوُزِ هَذِهِ الآراءِ ونَقْدِها، وذَلِكَ بَعْدَ ما تَوَصَّلوا هُمْ إليه من طِبٍّ عَمَلِيٍّ في أثناء المُمارَسَةِ.

 

* الخِبْرَةُ العَمَلِيَّةُ عَنْ طريقِ عِلاجِ المَرْضَى والتَّدريسِ في البيمارِسْتاناتِ (المُسْتَشْفَياتِ).

وهُنا تَلأْلأَتْ القَرائِحُ العَرَبِيَّةُ في وَصْفِ الأَمْراضِ وَصْفًا عِلْمِيًّا واضِحًا غَيْرَ مُتَأَثرٍ بالأَفْكارِ الفَلْسَفِيَّةِ الإغْريقِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلَى افْتراضَاتٍ نَظَرِيَّةٍ، مِثْلِ نَظَرِيَّةِ الأَخْلاطِ الأَرْبَعة، وهي: الدَّمُ، والبَلْغَمُ، والمِرَّةُ الصَّفراءُ، والمِرَّةُ السَّوداءُ.

ومِنْ أَبْرَزِ أَمْثِلَةِ هَذا الوَصْفِ العِلْمِيِّ للأَمْراضِ ما قَدَّمَهُ الرَّازي مِنْ وَصْفٍ دقيقٍ مُفَصَّلٍ لِمَرْضَى الحَصْبَةِ والجُدَرِيِّ والتَّفْريقِ بَيْنَهُما، وهو ما اعْتَرَفَ بِفَضْلِه كُلُّ الأَطِبَّاءِ إلَى الآن.

 

* البَدْءُ في المَدْخَلِ التَّجرِيبِيِّ، القائِمِ عَلَى المُلاحَظَةِ والتَّجْريبِ واسْتِخْدامِ طَريقَةِ المَجْموعَةِ الضَّابِطَةِ لتَبَيُّنِ آثارِ طُرُقِ المُعالَجَةِ المُخْتَلِفَةِ.

 

* إِنْشاءُ البيمارِسْتاناتِ (المُسْتَشْفياتِ) الّتي كانَتْ لا تَكْتَفي بِتَشْخيصِ الأَمْراضِ وعِلاجِ المَرْضَى، بل تُتابِعُهم بَعْدَ مُغادَرَةِ المسْتشفَى وتَمُدُّهُم بِالعلاجِ والغِذاءِ، كما كانَتْ هذه المسْتشفياتُ مدارِسَ لِتَعْليمِ الطِّبِّ لأجيالٍ مُتَتابِعَةِ.

وكانَتْ تَتَمَيَّزُ بالنَّظافَةِ الفائِقَةِ، وتَخْصيصِ أَقْسامٍ للرّجالِ وأُخْرَى للإناثِ، كما بَدَأَ فيها تَقْسيمُ المُمارَسَةِ الطِّبِّيَّةِ إلَى تَخَصُّصاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مع الإبْقاءِ علَى تَكامُلِها عَنْ طريقِ المُشارَكَةِ بَيْنَ هَذهِ التَّخَصُّصاتِ الّتي يَضُمُّها بِيمارِسْتانٌ واحِدٌ، وما زَالَ بيمارِسْتان قَلاوون قائِمًا بالقَاهِرَةِ.

 

* بَرَعَتْ أَوائِلُ المُمارَسَاتِ الجِراحِيَّةِ مَعَ صُنْعِ الأَدواتِ اللاَّزِمَةِ لها، خُصوصًا في الأَنْدَلُسِ، على يَدِ أبي القاسِمِ الزَّهراويِّ الّذي أَضافَ المَدْخَلَ الجِراحِيَّ إلَى مُمارَساتِهِ الطِّبِّيَّةِ الأُخْرَى.

 

* وَضَعَ الطِّبُّ العَرَبِيُّ قواعِدَ عامَّةً للتَّرْجَمَةِ والنَّقْلِ عَنْ كُتُبِ الأَوَّلينَ. وتُرْجِمَ كَثيرٌ إلَى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، كما نُقِلَ بَعْضُها بِنُطْقِهِ الأَجْنَبِيِّ مِنَ المصْطلحاتِ الطِّبِّيَّة مكتوبًا بحروفٍ عَرَبِيَّةٍ.

 

* المَوْسوعِيَّةُ، فَقَدْ بَرَزَ مِنَ الأَطِبَّاءِ العَرَبِ مَنْ كانَ طبيبًا تَفَلْسَفَ مِثْلَ الرَّازي، ومَنْ كانَ فَيْلَسوفًا تَطَبَّبَ مِثْلَ ابنِ سينا وابنِ رُشْد.

وظَلَّتْ كُتُبُ هَؤلاءِ المؤلِّفينَ العَرَبِ مَصادِرَ الطِّبِّ الأُوروبِيِّ في نَهْضَتِه الحَديثَةِ إلَى القَرْنِ السَّادِسَ عَشَرَ، ومنها «الحاوِي» للرَّازي، و«القانونُ» لابْنِ سينَا.

 

* الاهْتِمَامُ بالنَّواحِي النَّفْسِيَّةِ والرُّوحِيَّةِ عِنْدَ المَرْضَى، سواءٌ بإِحْياءِ آمالِهِمْ في الشِّفاءِ أو باسْتِخْدامِ المُوسيقَى في عِلاجِ بَعْضِ الحَالاتِ القَلِقَةِ.

 

* العِنايَةُ بالتَّأْليفِ في الأَعْشابِ الطِّبِّيَّةِ مثل كُتُبِ ابنِ البَيْطارِ وتَذْكِرَةِ داوُدَ الأَنْطاكِيِّ.

 

وقَدْ انْتَقَل هذا الطِّبُّ العَرَبِيُّ إلَى أوروبَا وكانَ الأَساسَ لِنَهْضَتِها الطِّبِّيَّةِ الحديثَةِ عَنْ طَريقِ جَزيرَةِ صَقَلِّيَةَ وعاصِمَتها بَالِرْمو، وقَدْ سَادَتْها الحَضارَةُ العَرَبِيَّةُ مُدَّةً طويلَةً بَعْدَ خروجِ العَرَبِ مِنْها.

كذَلِكَ انْتَقَلَ الطِّبُّ العَرَبِيُّ مِنَ المَغْرِبِ إلَى جَنوبِ أُوروبا. أمَّا الطَّريقُ الأَهَمُّ فكانَ من الأَنْدَلُسِ، وحَمَلَه الأَوروبيُّون الّذينَ دَرَسوا فيها ثُمَّ عادُوا إلَى بلادِهِم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق