شخصيّات

نبذة عن حياة الصحابي “أَبُو هُرَيْرَة”

1987 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الأول

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الصحابي أبو هريرة شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

إنّ مِنْ رجال الإسلام من كانوا أوعيةً للعِلْمِ وحُفَّاظاً له في صدورهم في وقتٍ لم تكنْ فيه وسائلُ التسجيلِ الحديثة موجودةً. وعلى رأس هؤلاء الحُفَّاظ أبو هريرة رضي الله عنه. وُلِدَ سنة إحدى وعشـرين قبل الهجرة وتُوُفِيَّ سنةَ سبعٍ وخمسين بعد الهجرة.

كان اسمُه قَبْلَ الإسلام عبد شمس، فلما أسلم غيّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم اسمَه إلى عبد الله، فهو عبدُ الله بنُ صخر الدوسيّ اليمانّي.

واشتهر بكُنيته دون اسمه، فيقال: "ابو هريرة". وسبب هذه الكُنية أن عبدَ الله وقت أن كان صغيراً كانت عنده هِرَّة صغيرة، أي قطعة صغيرة، يحبها ويصحبها معه أينما ذهب، فأخذ الناس يدعونه بأبي هريرة.

 

كان أبو هريرة من قبيلة دَوْس، وهي من القبائل المشهورة عند العرب وكانوا يعبدون الأصنام مثلهم مثل بقيةِ عرب الجزيرة.

وفي السنةِ السابعة من هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه إلى المدينة وبَدْءِ انتشار دعوة التوحيد، بلغت الدعوة قبيلة "دوس" عن طريق أحدِ أشرافها وكان شاعراً ومشهوراً بالكرم، اسمه الطُّفَيْلُ بن عمرو الدَّوْسي، كان ماراً بمكة المكرمة فسمع بدعوةِ النبي، صلى الله عليه وسلم، دعوةِ التوحيد، ونبذِ الشِّـرْك.

فآمن وأعلن إسلامَه، ثم رجع إلى قومه في أرض دوس، يدعوهم إلى الإسلام فآمن بدعوة التوحيد على يد الطّفيل قرابةُ ثمانين بيتاً، منهم أبو هريرة، خرجوا مع الطّفيل إلى المدينة المنورة.

 

ومن هذا اليوم نَذَر أبو هريرة نفسَه لخدمةِ الإسلام وَرفْعِ رايته. وكان وقتها شاباً فتيا، دون الثلاثين من عمره، ذكياً حادَّ الذكاء سريعَ الحِفْظ، وقد أفادَتْه حياتُه في الصغَر، من رَعْي الغَنَم، وخِدْمَةِ أهلِه، الاعتمادَ على النفس والشجاعةَ وقوةَ الإرادة.

وقد استفاد من كلِّ يوم قضاه في مدينة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فمنذ وصوله حرص حرصاً شديداً على مُجالسة النبي، صلى الله عليه وسلم، وصحبته.

وأصبح بعد فترة قصيرة من أكثر الصحابة ملازمة للنبي، صلى الله عليه وسلم، يَصْحَبُه في مجالسه وغزواتِه وجهادِه، فكان في الصفوف الأولى للمجاهدين وما تَخَلَّف عن معركة بعد إسلامه، فَشَهِد المعارك كلَّها.

 

وفي الفترات بين معارك الجهاد، كان أبو هريرة يجلس للتعلم والتلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحفظُ عنه كلَّ ما يحدِّثُ به الصحابة.

وأمضـى أبو هريرة حياتَه في المدينةِ فقيراً، بل كان من الفقراء الذين لا يَجدون مكاناً يأوون إليه وكانوا يُسَمَّوْن "أهلَ الصُّفّةّ".

وهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أسلموا وهاجروا ولم يملكوا بيتاً يسكنونه، فكانوا يسكنون مسجدَ النبي صلى الله عليه وسلم، وينامون فيه في مكان مُظَلَّل يسمى الصُّفَّة، فسموا أهلَ الصُّفة.

وإذا جاء الليلُ كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إليه، فيتعشـَّى بعضُهم معه، ويوزِّع بقيَّتَهُم على الصحابة.

 

كان أبو هريرة رضي الله عنه يحب الرسول صلى الله عليه وسلم حباً شديداً، كان يقول له: "يا رسولَ الله، إني إذا رأيتُك طابَتْ نفسـي وقَرَّتْ عيني" – أي استراحت.

وكان بعد وفاة النبي إذا ذُكر اسمُه صلى الله عليه وسلم، يَبْكي ويَشْهق شوقاً وحباً للقائه.

وكان أبو هريرة باراً بأمه بِراً اشتهر به، فقد تمنَّى إسلامَها وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعوَ الله لها لتُسلم، فدعا لها النبي فَأَسْلَمَتْ. أما أبوه فكان قد مات.

 

وفي مرة كان أبو هريرَة جائعاً جوعاً شديداً، فأعطاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم تَمْرَتَيْن، فأكل تمرةً وأدخل الثانيةَ في جيبه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرَة لِمَ رَفَعْتَ هذه التمرة؟ فقال: رفعتُها لأمي. فقال: كُلْهَا، فإنا سَنُعْطِيك لها تَمْرَتينْ، فأكلها، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم تمرتيْن.

ولما كبر أبو هريرة ، وكبرت أمه، كان يمر عليها في بيتها كلُّ يوم فيدخُل عليها، ويقول: جَزاكِ اللهُ ياأمُّ خيراً كما ربيِتني صغيراً، فتقول له: جَزَاك اللهُ يابُنَيَّ خيراً كما بَرَرْتَنِي كبيراً .

 

واستمر أبو هريرة على فَقْرِه طولَ حياته، وكان باستطاعته أن يسافرَ ويتاجرَ ويُحَسِّنَ معيشتَه وحياتَه، إلا أنه كان قد نَذَر نفسَه لأمرٍ أعظم وأهم من هذا.

نذر نفسه أن يحفظ عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ما يحدِّث به، ليكونَ مَرْجِعَ المسلمين في معرفة سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم بَعْدَ وفاته.

وكان هذا هدفاً وغايةً عظيمة، لم يعرفْ المسلمون قيمتَها وأهميتَها، إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا يرجعون إلى أبي هريرة، ليرويَ لهم أقوالَ النبي صلى الله عليه وسلم.

 

يقول أبو هريرة: "إن أصحابي من المهاجرين كانت تَشْغَلُهم تجارتُهم في الأسواق، وإن أصحابي من الأنصار كانت تَشْغَلُهم أرضوهم والقيامُ عليها، وإني كنت أُكْثِرُ مجالسةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. أحضـر إذا غابوا، وأحفظُ إذا نَسَوْا".

لقد قَدَّم أبو هريرة رضي الله عنه للإسلام والمسلمين خدمة جليلة عظيمة بحفظه لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فكان من أكثر الصحابة حِفْظاً وروايةً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حفظ 5374 حديثاً. وكان مثالا يقتدى في أُمور حياته كلها.

وفي سَنَة سبعة وخمسين من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، تُوُفِيَّ أبو هريرة رضي الله عنه وعمره يومَها، ثمانٌ وسبعون سنة، وكان آخرَ كلماته وهو على فراش الموت "اللهم إني أُحِبُّ لِقَاءَك، فَأَحِبّ لقائي".