التاريخ

مظاهر “الحضارة المعاصرة” في العديد من دول العالم

1997 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الثامن

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الحضارة المعاصرة التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

من الصعبِ تحديد ماهيّةِ الحضارةِ المعاصرة، نتيجة التقدم العلمي والتفوق التكنولوجي السريع لدى الدول الأوروبية، ودول أمريكا الشمالية، ودول شرق آسيا.

ويمكنُ القول بأن الحضارة المعاصرة بدأت تخطو خُطواتٍ واسعةً نحو التقدم الواضحِ، والنهضةِ الإنسانيةِ الملموسة مع نهاية الحربِ العالمية الثانيةِ سنة 1945.

ولعل من أولِ الأمور التي يمكنُ ملاحظتُها في تفوق الدول الأوروبية، هو العملُ وفقَ مواد الدساتير الوطنية في المجال السياسي، من ناحية تكريس العمل وفقَ التقاليدِ الديمقراطية التي ترسخت في عقولِ هذهِ الدولِ.

 

واهتمت فرنسا اهتماماً بالغاً بالقضاءِ والتعليمِ والإدارةِ، ونجحتْ في أن يكون لها كيانُها المستقل، بعيدا عن تدخل السياسة الأمريكية صاحبةِ الفضلِ الكبيرِ في هزيمة ألمانيا واليابان، وإنهاء الحربِ العالمية الثانية التي حطمَت أوروبا وقضت على شبابِها.

وحققت فرنسا تقدماً كبيراً في مجال الإنتاج الصناعي لمختلفِ السلع الضرورية والاستهلاكية، وأصبح لها كيانُها المستقلُّ والمؤثِّرُ في السياسة الدولية العالمية بين دول العالمِ المُعاصر.

أما الولاياتُ المتحدةُ الأمريكية، فقد تناوب على رئاستها عددُ من الرؤساء البارزين أمثال: ترومان، وآيزنهاور، وكيندي، وجونسون، ونيكسون، وريغان  وبوش، وكلينتون.

 

ولعلّ أهمَّ أعمالِ هؤلاء الرؤساء إقرارُ زيادةِ الحقوقِ المدنية للزنوج، مع العمل على رفعِ وضعِهِم الاجتماعي، وتوفير سُبلِ العملِ لهم، إلى جانب توسيع مجالِ التأمين الصحي، ومعونةِ السكنِ الخاص، ودعم قوانين التعليم، وإتاحة الفُرص العديدةِ والكبيرةِ للتكوين المهني.

وبلغ عددُ سكانِ الولايات المتحدة في الستينيات ما يزيد على مئتي مليون نسمة. وتعتبرُ أكبر منتج لمختلف السلع في العالم، كما أنها أكثرُ مُستهلك. كذلك تمتلكُ أكبر قوةٍ عسكريةٍ.

وبلغت البحوث الفضائية والرحلات الصاروخية المكوكية درجاتٍ كبيرة من التقدمِ والنجاح خلالَ الثلاثن سنةً الأخيرة .. وتُعتبرُ الولاياتُ المتحدةُ اليومَ اقوى دولةٍ في العالم.

 

أما بريطانيا فقد نجحت في أن تُصبِحَ عضواً في الاتحاد الأوروبي الذي يشملُ كافةَ الدولِ الأوروبيةِ، وتناوب على الحكم فيها حِزْبا: المحافطين والعمالِ.

كما أصبحت عضواً فعالاً في السوق الأوروبية المشتركة، وحققت نجاحاً كبيراً في الانتاج الصناعي، والتقدم التكنولوجي، والتفوق العلمي. وتربطُها بالولاياتِ المتحدةِ عِلاقاتُ وطيدة.

ولعل من أهم مظاهر الحضارة المعاصرة نهضة الدول التي هُزمت في الحربِ العالميةِ الثانية، وهي: المانيا، واليابان، وإيطاليا– فبعد هزيمة ألمانيا واستسلامها لقواتِ الحُلفاء في مايو 1945 ، وتقسيمها إلى قسمين: ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية. 

فإن ألمانيا الغربية استطاعت مرةً أخرى العمل على تقوية نفسِها في مختلفِ المجالات، حتى أصبحت في الوقتِ الحاضرِ واحدة من أكبر القوى الاقتصاديةِ في العالم.

 

وقد بدأت هذه النهضةُ الألمانية الكبيرةُ سنة 1948 مع إصلاح نظام النقد، وإعادة النشاط إلى الأسواق، وتشغيل مصانع المواد الضرورية، ثم مصانع السلع الإستهلاكية، والعملِ الجادِّ في عمليات التعمير.

ومع زيادة عمل المصانع الألمانية أصبحت ألمانيا الغربية سنة 1985 ثاني دولة مصدرة في العالم، وبلغت تفوقاً كبيراً في الصناعات الكهربائية، والتعدين، والآلات الدقيقة، والكيماويات.

ومع سقوط النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، ثم خروج ألمانيا من السيطرةِ الروسيةِ، وهدمِ حائطِ برلين وتوحيد ألمانيا مرةً أخرى، تعتبرُ ألمانيا اليوم من أقوى الدول الأوروبية والعاليمة اقتصاداً وقوةً.

 

أما إيطاليا، فإنه يمكن القول بأن ظهورَ الجمهوريةِ في إيطاليا جاء نتيجةً لحركاتِ المُقاومةِ. ثم جاءت مشاركةُ إيطاليا في المنظمات الأوروبية سبباً أساسياً من أسباب ازدهار الاقتصاد الإيطالي.

وبلغتْ إيطاليا درجةً عاليةً من التفوق في صناعاتِ الحديدِ والصلب والتعدين، إلى جانب العِناية بالسياحة التي ساعَدَ عليها تنظيمُ الشركات الخاصة، إلى جانبِ جمال الطبيعة في الأراضي الإيطالية. كذلك حققت إيطاليا إيراداتٍ عالية في مجال صناعةِ موادِ التجميل والملابس بأنواعِها.

أما اليابان التي سُحِقت أراضيها في هيروشيما بفعلِ القنبلةِ الذرية التي أسقطتها عليها الولايات المتحدة الأمريكية، فرأت أنه لا بد من الابتعاد عن مجالات العملِ العسكري، والعلم على بناء الاقتصاد الياباني، فاهتمت بالصناعات التكنولوجية، وأصبحتْ اليابانُ ثالثَ دولةٍ نتنتجُ الصلبَ في العالم.

 

كما بلغت المركزَ الثالث في تصفيةِ البترول، والأولى في العالم في بناءِ السفنِ. وزادت أرباحُ اليابان بعد إنشاءِ الأسطول التجاري الياباني، وربطت العلاقات التجارية النشيطة بين اليابان وسائر دول العالم.

وقد أدى هذا الارتفاعُ الهائلُ في بناء الاقتصاد الياباني إلى ارتفاعِ مُستوى المعيشة الذي أصبحَ يُرهقُ اليابانيين أنفسهم .

ويشهدُ العالمُ المعاصرُ في الوقتِ الحاضر ثورةً تكنولوجيةً كبيرةً تتغيرُ يومياً، إلى جانب الثورةِ المعلوماتية في مختلف العلوم والمعارفِ والصناعاتِ. كما تُحاولُ الدول المتقدمةُ الارتقاءَ بالوضع المعيشي لإنسان هذا العصر.

 

والحضارةُ المعاصرةُ تتسم بطابع السرعةِ، فلقد كان الإنسانُ القديم يصلُ إلى غايتِهِ دون أن يسأل عن الزمن.

أما إنسانُ اليوم فيحرص على الوصول إلى غايته في أقرب وقتٍ وبأقصى سرعةٍ، ويحاسِبُ نفسَهُ على الدقيقة المهدرة سُدى.

وأصبحتْ الطائراتُ التجاريةُ تجوبُ الفضاءَ بسرعةٍ تفوقُ سرعةَ الصوتِ، وأصبحَ الذهاب من أوروبا إلى أمريكا نُزهةَ يوميةَ، ورجالُ السياسيةِ والأعمال والخُبراء والمهندسون والأطباء ينتقلون بسرعةٍ وسهولةٍ لا تُتَصوّر بين قارةٍ وقارة، وبيسرٍ أكثر من انتقالِهم بين إقليمٍ وآخرَ في بلادِهم.

لقد انعدمت المسافات، أو أصبحَت في حُكْم العَدَم، وغدا العالمُ بلداً واحداً. وبالرغم من ذلك فإن تحديد العلاقات بين البشر، وانتقالِهم لم يَعُدْ مُتعلقاً بتدخل المسافة الزمنية، بل بتدخل السلطاتِ والإدارةِ والتأشيرات والمسافات وتكاليف الرحلات.

 

حقا لقد أصبح الاتصال سهلاً بين جميع أُممِ العالمِ، رغم التمييز بينها، وتغيرتِ أساليبِ الحياةِ بفضل هذا الاتصال السهل القريبِ البعيدِ .

ومن خَصائصِ حضارةِ العصر تقدُّمُ العلوم الرياضية، والإنعكاسات السريعةِ للثورةِ الصناعيةِ في ميادين التقنياتِ المختلفةِ، والتقدمِ الهائل في وسائلِ المواصلاتِ، حتى تكررت الرحلاتُ الفضائيةُ الروسية والأمريكية إلى القمر.

أما الدورانُ حولَ الأرضِ فأصبح يكتررُ شهريا، وَوَضِعت الأقمارُ الصناعية في الفضاء، حتى أصبح العالمُ المُعاصر بمثابةِ منزلٍ صغيرٍ ذي غُرَفٍ محدودةٍ، وتلفزيون في كل غُرفةٍ يَطَّلعُ من فيها على ما يجري في جميعِ أرجاء العالمِ.

 

ولكن على الرغمِ من جميعِ هذهِ المظاهر للتقدم المادي العظيم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد ووسائل الرفاهية، تفتقرُ الحضارةُ المُعاصرةِ إلى القِيَم الروحية السامية، وتشكو من عِلَل خطيرةٍ تهدد استمرارها، بل تكادُ  تهددُ استمرار بقاءِ الإنسان على هذا الكوكب.

فتصرُفات البشر غير الرشيدةِ أدت إلى تلوثِ البيئة بصور متعددة، كالقضاء على مساحاتٍ كبيرةٍ من الغابات، وارتفاع درجة حرارة جوِّ الأرض، وذوبان ثلوج القطبين، وإغراق الشواطئ، وخرق طبقة الأوزون الواقية للأحياء، والقضاء على أنواعٍ من الكائنات الحيةِ البريةِ، وإفقارِ التنوع البيولوجي.

 

والأملُ معقودٌ على أن يثوبَ البشرُ إلى رُشدِهم، وأن يعتصموا بهُدى خالِقِهم، وأن يتعاونوا على حِماية كوكَبِهم وموارِدِه الطبيعيةِ التي كاد بعضُها أن ينفد، على أن ينشروا السلامَ والعدلَ في ربوع الأرضِ، وأن يُقاوموا الظُلمَ والعدوانَ.

وأن يحسنوا عبادةَ ربهم، وأن يقوموا بحمدِهِ تعالى على نعمهِ عليهم، وأن يُحافظوا عليها، وأن يؤدوا واجبات استخلافِ اللهِ لهم في الأرضِ.