التاريخ

نبذة تعريفية عن الحضارة الفرعونية

1997 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الثامن

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الحضارة الفرعونية التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

شهدت مصرُ أقدمَ وأعرقَ حضارةٍ عرفها التاريخ، الإنساني، ويعود هذا التقدم الحضاري الرائع إلى سببين رئيسين: الأول، العوامل الطبيعيةُ الملائمة؛ من سهول خصبة، ونهرٍ وفير، وموقع جغرافي مهمّ، والثاني، القدرات الفكرية لدى المصريين القُدماء، حيث عملوا على الاستفادة من هذه العوامل الطبيعية الممتازة.

وقد أدّى هذا التفاعلُ الإيجابي المُثمرُ بين الإنسانِ والطبيعةِ إلى عمل تاريخي خالد وحضارةٍ رائعةٍ لم يشهد العالمُ الإنساني لها مثيلا.

ونهرُ النيلِ هو الذي علَّمَ المصريين الإحصاء والهندسةَ والحسابَ، فعرف المصريون المقاييس، وبرعوا في مشاريع الري، وتفننوا في وسائل المواصلات.

 

أما الفراعنة فإنهم قَدِموا إلى وادي النيل من الجنوب واستقروا شمالاً قرب الدلتا، حيث نجحوا في بناءِ حضارةٍ فرعونيةٍ لا تزال آثارُها قائمة حتى الآن.

وتطلُ مصرُ شمالاً على البحر المتوسط، وشرقاً على البحرِ الأحمر، مما سهَّل على الفراعنةِ الاتصال بقارةِ آسيا عن طريق البحر الأحمر، وقارةِ أوروبا عن طريق البحر الأبيض المتوسط، وقارة أفريقيا عن طريقِ النيل الذي يمتدُ إلى أسوان، ثم إلى منابِعِهِ في الحبشةِ.

وأدت خاصيةُ الامتداد الرأسي الطويل لنهر النيل من الجنوب إلى الشمال – مع ندرةِ فُروعِهِ الطبيعية الجنوبيةِ في مصر – إلى تعاقُبِ مواطِنِ العمران فيها على ضفتي النيل تعاقباً رأسياً، أي من الجنوب إلى الشمال، أكثر منه افقياً، أي شرقاً وغربا، في معظم واديه.

 

وينقسمُ تاريخ الفراعنةِ وحضارتُهم إلى عُصورٍ هي كالآتي:

– عصر ما قبل التاريخ:

وهو الذي غَلَبت عليه المصنوعاتُ الحجريةُ، ومن أهم آثارِهِ المواقدُ والمناجلُ والرحى، ثم تطورت هذه الأدوات في طريقة صناعتها، فاستخدم الفخار، حيث تم العثور على الأواني الفخارية، وأدوات الزراعةِ المهذبة، والصلايات، والسلال والمنسوجات البسيطة.

ولكن جميع هذه الآثار ليس عليها كتابة، من أي نوع من الأنواع، مما يدل على عدم معرفةِ إنسان ما قبل التاريخ بالكتابة.

 

– بداية العصور التاريخية :

أو ما يسمى بعصر بداية الأسْراتِ، ويبدأ من عام 3200 قبل الميلاد، واستمر إلى عام 2780 قبل الميلاد، وتمت في هذه الفترة معرفةُ الكتابةِ.

حيث عُثِرَ على نصوصٍ تاريخيةٍ تكشف عن أن هذه الفترة كانت بالفعل عصرَ التكوين بالنسبة لِنُظُم الحُكُمِ وأوضاعِ الإدارة.

وتولى حكم مصر خلالها أسرتان من الأسر الحاكمةِ الفرعونية.

 

– عصور الدولة القديمة:

وتبدأ بتولي الأسرة الفرعونية الثالثةِ حكْم مصرَ في أوائِل القرن الثامن والعشرين قبلَ الميلاد (2800 ق. م)، حيث ساد الاستقرارُ السياسي، ومركزية الحكم، مع تقدم العمارة والفنون وتنظيمات الإدارة وعقائد الحياة الآخرة.

وتم خلال هذه الفترة بناءُ المقابرِ الفِرعونيةِ الكبرى، وهي: أهرامُ خُوفُو وخَفْرَع ومُنْقرَع التي بنيت حوّل العاصمة (إنب حج) أو (منف).

 

– عصر اللامركزية الأولى أو عصرَ الانتقال الأول:

وفي هذه الفترة بدأت تتلاشى مركزيةُ الحكمِ، وتظهرُ السياسياتُ المختلفة، وانتعشت خلال هذه الفترة أحوال الطبقات الوسطى والدنيا من الناس، وظهرت العقائدُ الدينيةُ المتحررة.

 

– عصور الدولة الوسطى:

عادت خِلالَ هذه المرحلة من تاريخ مصر الفرعونية مركزية الحكمِ والسُلطة المركزية الواحدة، والعلاقات الخارجية مع ممالكِ الشرقِ الأدنى وجُزُر البحر المتوسط، وتُعتبرُ هذهِ المرحلةُ العصرَ الذهبي لكلٍّ من اللغة المصرية وآدابها.

واستمرت هذه المرحلةُ نحو ثلاثةِ قرونٍ؛ من أواسط القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد حتى أوائل القرن الثامن عشر قبل الميلادِ، وكانت عاصمتُها طيبةُ وظهر فيها الملك الفرعوني أخناتون الذي دعا إلى عقيدة التوحيد.

 

– عصر اللامركزية الثانية أو عصر الانتقال الثاني:

بدأت قوة الحكم عند الأُسراتِ المالكةِ الفرعونية تضعفُ، حيث بدأ التفكك، وبدأت الوحدة السياسيةُ تتلاشى مع انهيار عوامل الاستقرار.

وهجمت على مصرَ الفرعونية جماعاتُ آسيوية متوحشةٌ هي الهِكْسوس، فقضت على كثير من عواملِ الأمان والسلام والاستقرارِ في مصرَ.

وانتهت هذه الفترةُ في أوائلِ القرنِ السادسِ عشر قبلَ الميلادِ (1600ق.م) مع هزيمة الهكسوس وطردِهِم من مصر.

 

– عُصور الدولة الحديثة:

شهدتُ مصرُ الفرعونيةُ خلالَ هذه الفترةِ استقراراً سياسياً شاملاً مع مركزيةٍ في الحُكم، وقوةٍ في السلطة  المركزية، وبلغ الاقتصادُ الذروةَ في الرخاء العام، وفي مختلف أنواع الفنون.

وانتشرت الوحدانية في الدين، وتوسعت العلاقات الخارجية مع دول الشرق الأدنى ودول أوروبا الشرقية، خاصة بلادِ الإغريق وجزر البحر المتوسط، واستمرت هذه المرحلةُ ستةَ قرونٍ ونصف، حيثُ انتهت خلالَ القرنِ العاشر قبل الميلادِ (1000 ق.م).

 

– العُصور الفرعونية المتأخرةُ:

بدأت عواملُ الاستقرار تتراجع، وتسودُ مظاهرُ الفوضى مع تراجع النشاط التجاري وتدهورِ العلاقات الخارجية، ثم تعرضت مصرُ لعددٍ من الحروبِ والفِتنْ، إلى أنْ دخل الإسكندر المقدوني الأكبر مصرَ في خريفِ عام 332 ق.م.

وخلَّفت مصرُ الفرعونية آثاراً رائعة، سواءُ أكانت ماديةً أم ثقافيةً، يأتي على رأسِها الأهراماتُ الثلاثةُ الرائعةُ، وتمثال أبو الهول، وما حوتهُ مقابرُ الملوكِ من أدواتٍ ومجوْهراتٍ وآنياتٍ.

وتمت دراسةُ اللغة المصرية القديمة أو الهيروغليفية بعد العُثور على حجر رشيد سنة 1799م، وهو حجر من البازلت الأسود عُثِرَ عليه خلال حفرِ خندقٍ حول قلعة قايتباي أثناء وجود الحملة الفرنسية على مصر ، وحجر رشيدٍ موجود حاليا في المتحف البريطاني في لندن.

وتمكن العالمُ الفرنسي جان فرانسوا شامبليون من فك رموز اللغة الهيروغليفية ومعرفةِ حروفِها، ومن ثم أصبحت دراسة النصوص التاريخية للحضارة الفرعونية أمراً ميسراً ومفيداً.

 

وتعد آثارُ سقارة وهرمُها نموذجاً رائعاً للفن والعمارة، ويعودُ الفضلُ فيها إلى (إيمحوتب) المهندس الماهر أمين أختام الوجه البحري، ونائب الملك الفرعوني (زوسر).

ويُعَدُّ هرمُ سقارةَ المدرجَ نموذجاً جديداً في عمارةِ المقابرِ المصريةِ الفرعونية، كما حوى ستّ لوحاتٍ بديعةٍ في النقوش الفنيةِ.

ومن المؤكد أن هَرم الملك خوفو، أو الهرم الأكبرَ الموجودَ فوقَ هضبةِ الجيزة شمالَ العاصمة القديمةِ «إنب حج» أو منف، هو أفضلُ الأهرام عظمةً وفناً، فهو فضلاً عن كَوْنِهِ قبراً حافظاً لجثةِ الملك خوفو ومقتنياتِه، هو كذلك شاهدٌ على اتساع سلطانِهِ، وعظمةِ عصرهِ، واعتقادهِ بعقيدةِ البعثِ والخلودِ.

 

ولا شك في أن الفضل الفعلي في بناء الهرمِ الأكبر يعود إلى جهودِ الشعبِ المصري من عمالٍ وبنائين.

كذلك عُثِرَ على آثار قُرْبَ الهرم الأكبر تدل على وجود خمسةِ مراكبَ لخوفو، ثلاثةٍ شرقَ الهرمِ، واثنين جنوبِهِ.

وسببُ وجودِ هذه المراكبِ يرجعُ إلى الاعتقادِ بأن الملك الفرعوني خوفو يجوب بها سماء الدنيا نهاراً، وسماء العالمِ السُفلي ليلاً ثم تولى بعد ذلك الملك الفرعوني خوفو ابنُهُ خَفْرع الذي بنى الهرم الأوسط مع معبديه لعبادة إلهِ الشمس.

ومما يدل على ازدهار فن النحتِ أيامَ المَلِك الفرعوني خفرع بناءُ تمثال «ابو الهول»، وهو عبارة عن جسم أسدٍ ورأس إنسان في انسجامٍ رائعٍ لا مثيلَ لهُ على وجهِ الأرض.

 

واعتبر أهلُ الدولة الحديثة أبو الهول صورة من صور «إله الشمس»، ثم تولى الحكم بعد ذلك الملك الفرعوني مُنقرعُ الذي بنى الهرم الأصغر الرائع في بنائِهِ وفنّهِ ، ولهرم مُنقرع مَعْبَدان وطريقٌ صاعدٌ مثل بقية الأهرامات.

ويُعد معبد أبو سُمبُل من أهم ما خلفته الحضارةُ الفرعونية، وكذلك مجوهرات توُتْ عَنْخْ آمونْ الموجودة في الأقصر حتى يومِنا هذا.

وبرع الفراعنةُ في عمليات تحنيط جُثث الملوكِ على أساسِ حفظِ جسمِ الملكِ والملكةِ وغيرِهم من سائرِ الأمراء والملكات حتى يومِ البعثِ، فتعودُ الروحُ إلى الجسد.

 

ولا يزالُ العلمُ حائراً أمام كيفية عمليةِ التحنيط هذه، والموادّ المستخدمةِ فيها، بحيث لا تزال هذه الجُثثُ التي يزيد عُمْرُها على خمسةِ آلافِ عامٍ؛ كاملةً صحيحةً دون أي تغيير أو تفتيت أو عفنٍ.

ويزخرُ المتحفُ المصري بعددٍ كبيرٍ من المومياء لأميرات جميلات ما زالت وجوههن تحتفظُ بجمالِها وتناسق سماتِها، مما يدل على تفوقِ فن التحنيط عند الفراعنةِ.

ولعل من أعجب الأمور العقلية عند الفراعنةِ قضيةَ الاعتقادِ بالبعثِ والخلودِ وأن الإنسانَ بعد وفاتهِ يُحاسَبُ على أعمالِهِ من خَيْرٍ،وشرٍّ ثم يحتفظ بجثته محنطة في قبره مع كافة الأدوات التي كان يستخدمها في الدنيا معه إلى حين عودته يومَ البعثِ إلى الحياةِ مرةً أخرى، فيجدُ حولَهُ كُلَّ ما يحتاجُه، ويحيا وقتذاك حياةَ الخلودِ.