التاريخ

نبذة تعريفية عن الحضارة الفارسية

1997 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الثامن

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الحضارة الفارسية التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

استطاع الفُرس منذُ القِدم إقامةَ إمبراطوريةٍ فارسيةٍ، نحجَ مُلوكُها في تنظيم إدارتها نَجاحاً كبيراً، وقسَّموها إلى عِشرين ولايةٍ تشملُ مختلفَ الإقاليم.

وكان الملكُ على رأسِ النظام السياسيِّ والتنظيم الإداريِّ، واتِّخذوا لقب (خَشاثرا) أي المُحاربُ، وهذا اللقبُ يُعبِّرُ تعبيراً صادِقاً عن طبيعتِهم العسكريةِ التي مكَّنتهم من فتح الأقاليمِ العديدةِ، وتأسيس تلك الإمبراطورية الواسيعةِ في الألف السادس قبلَ الميلادِ.

علاوةً على ذلك فقد اتخذ أباطرةُ الفُرس لقَباً آخر هو (ملكُ الملوك)، الذي يُعَبِّر عن إتساعِ رُقْعةِ إمبراطوريِّتِهم التي شملت العديدَ من الأقاليم الواسعة.

 

وتمتَّعَ ملكُ الفُرس بصلاحيِّاتٍ مُطلقةٍ، وامتيازاتٍ واسعةٍ في مجالِ الحربِ والإدارة والحُكم؛ في حين كان تأثير رجالِ الإمبراطوريّةِ الآخرين ضعيفا، مقارنةً بسُلُطات الملكِ غير المحدودة.

أما الشعبُ فكان عديمَ الرأي في كافة شُؤون الحُكْم. وقد نتج عن هذِهِ السُّلُطاتِ المُطلقةِ حُكْما طاغياً ظالماً، عانى الناسُ من جَبروتِ طُغيانِهِ وسَطوَتِه.

ولكنْ – من جانب آخر – كان هناك ما يسمى ب (مجلس الملك)، وهو مجلسٌ يتكوّنُ من أفراد الطبقةِ الغنيةِ، وكانوا في حقيقةِ الأمر حُكَّاماً إقطاعيّين في مُقطاعاتِهم، يملكونَ سُلُطاتٍ كبيرةً في إدارة شؤونها الداخليةِ، ويتبَعون الحكومةَ المركزيّةَ التي يُمثِّلُها الملكُ في ذات الوقت.

 

فقد كان كُلُّ إقطاعيٍّ يملك حقَّ سنِّ القوانين، وتنفيذ الأحكامِ القضائية، وجمْعِ الضّرائبِ، وقيادةِ الكتبيةِ العسكريّةِ الصغيرةِ التي تحفظُ الأمنَ والسّلامَ في الإقليم.

ومن جانبٍ آخر التزم هؤلاء الإقطاعيون بالطِّاعةِ والوَلاءِ للملك، مع تقديم ضريبةٍ سنويةٍ تُعبِّرُ عن وَلائِهِم وتَبَعيِّتِهم له، مع الاستعداد التَّام للوقوف إلى جانب الملك في أوقات الأزمات بكافةِ استعداداتِهم العسكريةِ.

وعلى الرَّغمِ من أنَّ مُلوك الفُرس استطاعوا بِقُوّتِهم العسكرية إخضاع العديد من الأقاليم التي تختلف عنهُم في الدِّيانةِ والحضارةِ، إلاّ أنّهم حرصوا على أن يتركوا لتلك الشّعوبِ حريّةَ العبادة.

 

وممارسةَ كافّةَ التّقاليدِ والأعرافِ المحليّةِ التي تَعوَّدوها. بل  يُمكُن القول بأنَّهُم كانوا إلى حَدِّ كبير عادلين مع تلك الشّعوب، إلاّ في حالةِ مَعرِفَتِهم بحركةٍ ما ضدَّ سُلطانِهم ، فهُنا يُعاملُ اولئك المتآمرين بشتَّى أصناف العُقوبةِ والتَّعذيبِ.

ولَعلَّ أفضلَ مثالٍ على ما نقول، تلكَ النُّقوشُ التي وُجِدت على قبْر الملكِ الفارسيَّ، (داريوس)، وقد تُرجِمتْ تلك النُّقوش عندما غزا الإسكندر الأكبر فارسَ، فوجد أنّها تُعبِّر عن أنّ هذا الملك، على الرّغمِ من قوّتِه العسكريةِ وانتصاراتِهِ الباهرةِ، حاولَ أن يكونَ مُتسامحا مع الشعوب التي حَكَمَها، مع الحِرص الكبير على سُلُطاتِه العُليا المُطلقةِ.

كذلك تُظهر ترجمةُ هذه النُّقوشُ، الموجودة على قبرِ داريوس، والتي وُضِعت بناءً على تَوصيتِه، إنّهُ كان يعبدُ الإله «أهور مزوا» الذي يرجعُ إليه الفضل الكبيرُ فيما وصلَ إليهِ داريوس من مجدٍ وعظمةٍ، وأنَّ داريوس نجحَ في حُكمِ الشعوب العديدةِ، والاقاليم المختلفة، ولكنهُ كان حريصاً على نشر قواعِدِ النظّام والأمن والسّلام في أرجائها.

 

وكانت تلك الشعوبُ تُحِبُّ الملكَ داريوس الذي تمتع بشعبية كبيرة بين الشعب الفارسيِّ وكافة شُعوبِ الأقاليمِ التي حَكَمَها.

ومنَ الولايات التي حَكَمها الملك داريوس: مصر، فلسطين، سوريا، فينيقيا، ليديا، فريجيا، إيونيا، قَبادوس، قليقيةٌ، أرمينيا، آشور، قفقاسية، بابلُ، وميديا، وكذلك البلادُ المعروفةُ حاليا باسم أفغانستان، وبلوخستان، وإقليم غرب نهرِ السَّنْد، وسيمديانا، وبَلَخ، وأقاليم المسجينةِ، وكثيرٌ من قبائل آسيا الوسطى.

وكانت تلك الولايات المختلفة، تحت حُكم وُلاةٍ يُعيِّنُهم الملكُ ويُسمّى كلُّ والٍ (خشتر يوان) أي (حامي المملكة) أو (حارس الولاية). وفي العادةِ كان الوالي يستمرُّ في حُكمِ وِلايَتِهِ طيلةَ حَيَاتِهِ، ويُعيَّنُ آخرَ بعد وفاتِهِ.

 

وقد أنشأَ ملوكُ الفُرس في الإمبراطورية العديدَ من الطُّرُق لتسهيل المُواصلات بين أنحاءِ الإمبراطوريةِ الواسعةِ، كما نَظَّموا البريدَ على طولِ تلك الطُّرُق من أجلِ توفير وسائل الأمنِ والسّلام، كما أنشؤوا مع هذه المحطّات البريدية اسطبلاتٍ للخيول تتولّى نِقْل أتباعِ الملك على طُول الطريق.

وإضافةً إلى ذلك جُهِّزَت تلك الطرق بالمنازلِ والفنادقِ الجيدةِ لاستضافةِ رجال البريدِ والمسافرينَ وجُمَّاع الضرائب أو «الضّمان» كما جرى العُرْفُ تاريخيا على تعريفِهِم.

وبلغَ نظامُ جبايةِ الضرائبِ مقدرةً كبيرةَ من الدِّقةِ والتنظيم، سواء أكانت ضرائبَ نقدية أمْ عينيةٍ. كما كان الملك داريوس حريصاً على كِفايَتِها دون ظُلْمٍ أو تعسّفٍ.

 

وقد تمتَّعتِ الولاياتُ الفارسيةُ العديدةُ بقدرٍ كبيرٍ من الحُريّةٍ، حيث كان لها لُغتُها الخاصةُ وعاداتِها وتقاليدها وعُمْلتُها النقدية، مع الحرص في كثير من الأحيان على أنْ تقوم الأُسرةُ الحاكمةُ بالاستمرار في إدارة شؤونِها المحلية تحت حُكمِ الملكِ الفارسيِّ والحكومة المركزيّة.

وتمتَّعتِ الإمبراطورية الفارسيةُ بِحُكم اتَّساعها الكبير وولاياتها العديدةِ بالاكتفاء الذاتيّ من الناحيةِ العسكرية فتوفَّر فيها الخَشَبُ بأنواعِهِ العديدةِ، إلى جانبِ النُّحاس والفِضّةٍ والذَّهبِ، وأحجارِ البناء، وكذلك الأحجارِ الكريمةِ وغيرِ الكريمةِ.

كذلك تنوّعت المزروعاتُ، وزادتْ كمياتُ الإنتاج الزراعيِّ من فواكِه وخُضرواتٍ، مع العِناية بحفرِ القنواتِ والسدودِ والجُسور وعمليات  تجفيف المستنقعات، وحفرِ آبارِ العيون.

 

وإضافةً إلى ذلك ازدهرتْ الصناعاتُ في مُدُن الإمبراطورية الفارسيةِ ازدهاراً كبيراً، حيثُ راجتْ صناعةُ الملابسِ وصناعةُ الأحذيةِ والأواني الذهبيةِ والفضية والبرونزية والفُخاريَة، وكذلك صناعةُ الأخشاب، كذلك نحج الملك داريوس في سكِّ عُملةٍ نقديةٍ رسميةٍ للإمبراطورية الفارسية، كما ظهرتِ العُملةُ الفضيةُ الصغيرةُ في القرنِ السابعَ عشرَ قبلَ الميلادِ.

استمرَّ الوضعُ الاقتصاديُّ القائمُ على هذا النظام النقديّ حتى تولّى الملك (كروسي) حُكمَ ليديا، ونجحَ في عمل نِظامٍ نقديّ يقومُ على معادنَ مُتعدِّدةٍ من الذهب والفضة.

وانتشر هذا النظامُ النقديُّ المتطور في أنحاء آسيا الصغرى، واقتبسهُ الملك داريوس، وطَبُّقَهُ في جميعِ مُدُن الإمبراطوريةِ الفارسيةِ، وكانوا يسمونها «دريك» أي (الذهب).

 

ويُلاحظ أنَّ عيارَ الذّهبِ في هذهِ العملةِ كان عاليا، لأنَّ الملك داريوس كان يرغبُ في أن تكون العملةُ الفارسيةُ من الذهبِ الخالصٍ.

واهتمَّ مُلوكُ الإمبراطوريةِ الفارسيةِ اهتماماً كبيراً ببناءِ القصور الملكيةِ، حيث اعتُنى اعتناءً بالغاً باختيار العمال والفنيين، وكان يُبالغُ في صَرْف أجورِهم من اللحمِ والشعير والقمحِ والنبيذِ، خاصةً في أيام الملك داريوس.

وعندما تولَّى خليفتُهُ الملكُ (كسركيس) أصبحتُ الأجورُ تُدفَعُ عيْناً ونقْداً، حيثُ بلغتْ بالنقدِ ثُلثَ القيمة الكاملةِ من الأجر،ِ ثم زادت القيمة النقدية المدفوعة من نسبة الأجر حتى بلغتِ الثلثين، وأصبحَ الثُلثُ فقد عيناً من البضائعِ والموادَّ الغذائيةِ التي سَبَقَ ذِكرُها.

 

ولعلَّ من الأمور الجميلةِ في الامبراطوريةِ الفارسية التي صاحبت ظهور النقد أيامَ الملكِ داريوس ازدهار التجارةِ، لأنَّ ظُهورَ النقدِ أوجدَ مبدأ الائتمان أو أوراق الاعتماد والسندات التي تُصاحب فعالياتِ إتمام العملياتِ والصفقاتِ الاجتماعيةِ.

وكان الجيشُ دائماً الأساس الذي اعتمدتْ عليهِ الإمبراطوريةُ الفارسيةُ في توسُّعِها وامتدادِ حدودِها، وتَدُلُّ النقوشُ الفارسيةُ على أنَّ المُحاربينَ كانوا ينقَسمونَ إلى مُشاةٍ فُرسانٍ، يستخدمونَ الخيولَ، وفُرسان يستخدمونَ العَربات.

أمَّا الأسلحةُ المستخدمةُ، فكانت السيوفَ والخَناجرَ والدروعَ ورؤوسَ السِّهام، وصُنِعتْ جميعُها من البرونز أو الحديدِ.

 

وكانت الخِدْمةُ العسكريةُ إجباريةً أيامَ الحُروبِ ومعاركِ الفتوحاتِ الفارسيَّةِ التي شَمَلتْ الأقاليم العديدة، وكان الجيشُ فَخْرَ الفُرْسِ، ومبعثَ انتصاراتِهِم وسُرورهم.

ولعلَّ أهمَّ فِرق الجيشِ فِرْقةُ الحَرس الملكيِّ التي تضمَّ عدداً من النُّبلاءِ والأشرافِ، وكانت تضمُّ في مُعظم الأحايين ما بين ألفٍ وألفينِ من المُشاةِ، وكانت مُهمّتُها الرئيسة حِراسةَ الملك.

وشكّلَ رجالُ فارس وميديا جيوشا قوية في النقاط العسكرية المهمة من الإمبراطورية الفارسية.. كذلك نجحت الإمبراطورية الفارسيةُ في إنشاء أسطول بحريِّ قويِّ كان يضُمُّ سُفُناً من فينيقيا واليونان، كما شاركَ فيه  بحَّارةٌ من المصريّين، والقبارِصة، والسوريّين، والفينيقيين، حيثُ تمَّت للفُرس السيطرةُ على البحرِ المتوسطِ والمحيطِ الأطلسيِّ..

 

وانقسم الأسطولُ المكوَّنُ من سُفُنٍ كبيرةٍ صَنَعَها الفينيفيون للإمبراطوريةِ الفارسيةِ إلى ثلاثةِ أنواع من السفنِ: النوعُ الأولُ سُفُنُ الهُجوم، والثاني ناقلات الجنود، والثالثُ ناقلاتُ الأمتعةِ والذخائرِ.

وحَظيَتْ الإمبراطوريةُ الفارسيةُ بالنظام والأمنِ بفضلِ سيادة القانون، والحرص على تطبيقِهِ، حتى أصدرَ الملكُ مراسيمَهُ، والتزمَ القضاءُ بالأخذِ بِها، كما حَرِصَ الناسُ على العملِ بها لاعتقادِهِم أنه موحى بها من الإله (أهورا)، ولهذا اعتُبِرَ الخروجُ على القانونِ خُروجاً على الإرادةِ الإلهيةِ.

وكان الملكُ هو صاحبُ السلطةِ القضائية العليا، ويمثلُهُ في هذا العمل في أغلب الأحيان أحدُ أتباعِهِ، ويأتي بعدّهُ المحكمةِ العُليا التي تتألف من أصحابِ الوظائف الدينيةِ وغيرِ الدينيةِ، وكانت المحاكمُ تنظُرُ في جميعِ القضايا، بل وحدَّدوا الفترة الزمنية اللازمة لكلّ نوعِ من القضايا لعدم تعطيل مصالح الناس.

 

بالاضافةِ إلى ذلك أُتيحت للخُصوم فُرَصُ اختيار بعضِ الحُكماءِ للقيام بدور الحَكَم بينهَم لفضَّ النّزاعات بالطّرق السلميةِ، بل تُوفِّرُ للناس أشخاصٌ مهّمتهم الأساسية تفسيرُ القوانين ليعرفَ كلُّ شخصٍ حقوقَهُ وواجباتِهِ في القانون، وكيفيةِ السَّيْر صحيحاً في قضاياهُ الخاصة.

أما عن دين الإمبراطورية الفارسية، فقد كان ذردشتُ المؤسسُ الحقيقيّ للدين الفارسيِّ القديم، وقد عاش زردشت قبلَ الميلادِ بحوالي ستة آلافِ سنةٍ في أذربيجان، وكانت ولادتُهُ هناك بالذات في مدينةِ (شِيز). وقد عاش زردشت حياةَ العُزلةِ والتَّقشُّفِ والاعتكاف منذُ فترةٍ مبكرةٍ من حياتِهِ.

أما الكتابُ المقدَّسُ الذي تَرَكَهُ زردشت، فهو عبارةٌ عن مجموعة الكُتُبِ التي جَمَعها أصحابُ زردشت وأتباعُهُ، والتي تُعرفُ باسم (الأوسنان) أو ( الإبستان)، كما تُعرف حالياً، وتتكونُ من خمسةِ أجزاءٍ.

 

ومن أهمِّ خصائص الديانة الزّردشتيّة (التثنيةُ)، أي الاعتقادُ بوجودِ قُوتَّيْن تُسيطران على هذا العالم، قوةُ الخيرِ وقوةُ الشرِّ، أي إلهُ الخير (آهورا مزدا)، وإله الشر (أهريمن).

وأنَّ اللهَ خلقَ الدنيا، ولكن الشيطان أفسدها فأوجد الشرِ، وأنَّ الانسانَ هو محورُ هذا العالم، والدنيا هي مسرحُ الحربِ بينَ الخيرِ وبينَ الشرِ، ولكنّ الشيطان سينهزمُ، وينتصرُ الخيرُ، ثم تقومُ القيامةُ يومَ البعثِ عِندما يُحاسبُ كُلُّ إنسانٍ على أعمالِهِ في الدُنيا.

ومَنْ عملَ صالحا فَلِنَفْسِهِ ومن عملَ شرَّا فعليها. وعلى ذلك يُمكنُ القولُ بأنّ الزردشتية تُؤمنُ بالبَعْثِ والحِسابِ، وعندما دَخل بعضُ معتنقيها في الديانةِ المسيحية في أوائل القرون الميلادية، كانت دافعاً لهُم للإيمانِ بأنَّ الدنيا زائلة، والبقاءُ والخُلودُ في الآخرة.

 

وأنَّ الإنسانَ لا بُدَّ أنْ يعملَ من أجلِ الثوابِ والجَنةِ.. وكذلك آمنَ الفُرسُ الزردشتيون بالملائكةِ، والنوايا الحسنةِ، وفرضَ الأخلاقِ الكريمة على المُفسِدين..كذلك تدعو الزردشتيةُ إلى الصدقِ والعدالةِ والإخلاصِ.

هذا وقد استمرت الحضارةُ الفارسيةُ حتى تمَّ فتحُ فارسَ على أيدي المسلمين في موقعةِ القادسية، وبدأت تلك الحضارةُ الفارسيةُ العريقةُ تتراجعُ في مظاهِرِها الماديّةِ أمامَ قوةِ القيمِ الرُّوحانية التي أتى بها الإسلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق