التاريخ

نبذة تعريفية عن الحضارة العربية الاسلامية

1997 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الثامن

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الحضارة العربية الإسلامية التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

«الحضارةُ الإسلاميةُ» أو «حضارةُ الإسلام» يقصد بها جميع إسهامات المسلمين في العالم المعروف في القرون ما بين السادس الميلادي والسادس عشر الميلادي.

ولعل أجمل شيء في هذه الحضارة شمولية تعبيرها: فالجميع مسلمون، وكل ما يفعلونه يرجع إلى الإسلام والمسلمين والدولة الإسلامية، فلم يكن هناك حدود عرقية أو حواجز عرقية أو حواجز جغرافية أو فوارق تاريخية أو اختلافات لغوية.

فالكل مسلمون ولغتهم الرسمية لغة القرآن الكريم. وفي هذه الشمولية المطلقة كانت تكمن قوة الدولة الإسلامية.

 

ويُمكنُ اعتبار نزول القرآن الكريم بداية الحضارة الإسلامية لأن القرآن الكريم وضع منهاج حياة المسلم في جميع العصور والأمكنة.

وكانت الدعوة الإسلامية التي بدأت على لسان رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، عامة شاملة لجميع الأجناس.

ومع بداية الدولة الإسلامية كان الانتشار السريع للإسلام عبر الأقطار المختلفة حتى وصل شرقا إلى فارس والهند، وبلاد ما وراء النهر، وشملاً إلى سمرقند وأذربيجان، ثم عبر الحدود الفارسية الشمالية غرباً نحو شمال بلاد الشام وأرمينيا، ثم في بلاد القوقاز بين مغول الفقجاق وامتد في عهد الخلافة العثمانية في شرق  أوروبا.

 

وخضعت أسبانيا للخلافة الأموية بتأسيس الخلافة الأموية في الأندلس. أما شمال إفريقيا فغدا ضمن حدود الدولة الإسلامية منذ عهد المماليك.

وبذلك يحق القول بأن الإسلام والدولة الإسلامية انتشرا فشملا قارات آسيا وأوروبا وإفريقيا مع جزر البحر الأبيض المتوسط، وأصبح الجميع مسلمين يسهمون في وضع لبنات الحضارة الإسلامية.

وأصبحت اللغة العربية لغة أدبية متقدمة في ساحة الفكر، وأخذت البلاغة والفكر مكانة عظيمة عند المسلمين.

 

وبدأ دور المدن العربية يسهم في بناء الحضارة الإسلامية ابتداء من المدينة المنورة والكوفة والبصرة وبغداد ودمشق والقاهرة والقيروان وفارس وقرطبة وطليطلة وغيرها.

وبدأ الاهتمام بالعلم يكبر مع توسع الدولة الإسلامية  خاصة وأن الإسلام يدعو إلى طلب العلم والمعرفة، كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

ونبغ المسلمون في العلوم المختلفة مثل الفلسفة والعلوم والرياضيات والمنطق والاقتصاد والهندسة والترجمة من المصادر الفارسية واللاتينية والإغريقية.

ومن ثم أنشأوا المدارس المختلفة في المدن الكبرى وبرز كبار العلماء مثل: الخليل بن احمد، وابن سينا، والرازي، وابن رشد، وابن خلدون، والفارابي ، والمسعودي، والطبري، وابن الأثير، والغزالي، وغيرهم في سلسلة من العلماء والمؤرخين، والفقهاء والشعراء، والرحالة مثل: الجبرتي، وأبن بطوطة، وغيرهما.

 

أما في مجال الإدارة والنظم فأنشئت الدواوين المختلفة مثل: ديوان الجيش، وديوان الخزانة أو بيت المال كما كان يسمى في أيام الخلفاء الراشدين، وديوان الخراج، وديوان الجزية، وديوان الأيتام، وديوان المواريث، وديوان الأوقاف.

وغير ذلك من الدواوين التي تهتم بجميع شئون الدولة الإسلامية ومصالح المسلمين وهي تعمل نفس عمل الوزرات اليوم، وعلى رأس كل ديوان «الناظر» أي برتبة وزير اليوم.

وفي أغلب فترات الدولة الإسلامية كان يوجد مجلس للشورى يعمل على إسداء الرأي الصائب في جميع الأمور والمشاكل للخليفة أو السلطان في سبيل الوصول إلى حكم نافع للأمة الإسلامية.

 

ولعبت الجوامع دورا كبيرا في مجالس العبادة وطلب العلم، وكانت ساحات الجوامع أو حوش الجامع كما كان يعرف به أحيانا ملتقى العلماء وطلاب العلم، كما كان الحال في جامع القيروان، وجامع طليلطة، وجامع قرطبة، والجامع الأموي في دمشق، والجامع الأزهر في القاهرة، وجامع فاس في المغرب، والجامع النبوي في المدينة المنورة.

بالإضافة إلى ذلك أدرك الخلفاء العباسيون أهمية الترجمة فأنشأ الخليفة العباسي المأمون ابن الخليفة هارون الرشيد «دار الحكمة» لأعمال الترجمة عــن اللغتين السريانية

والإغريقية، وأصبحت الترجمات العربية قاعدة لكثير من المعارف عند العلماء المسلمن. وازدهرت المدارس في الدولة الإسلامية في مختلف عهودها.

 

ولعل من أبرز هذه المدارس: المدرسة المنصورية في القاهرة التي بناها السلطان المنصور قلاوون لتدريس الطب، وكذلك جامعة فاس التي درست فيها مختلف العلوم الفقهية والتشريعية.

ومدرسة الناصر حسن المعروفة باسم المدرسة الناصرية التي ضمت داخلها أربع مدارس لتدريس المذاهب الأربعة: الشافعي، والحنبلي، والحنفي، والمالكي، وكذلك المدرسة الظاهرية، والمدرسة الصالحية، وغيرها من المدارس التي خرّجت الفقهاء والمحدِّثين من الأطباء والقضاة والمدرسين وغيرهم.

كذلك بلغت المرأة مكانة عالية في المجتمع الإسلامي مثل: السيدة عائشة رضي الله عنها زوجة الرسول، صلّى الله عليه وسلّم، التي كانت راوية للحديث.

 

وأم البنين زوجة الخليفة الوليد بن عبدالملك بن مروان، والخيزران زوجة الخليفة  العباسي المهدي، وزبيدة زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، وقبيحة زوجة الخليفة العباسي المتوكل.

والسيدات دوسر وغزالة وصبح من نساء البلاط الأموي في الأندلس، وست الملك اخت الخليفة العزيز الفاطمي، وشجرة الدر التي لعبت دوراً كبيراً في إدارة شؤون البلاد بعد وفاة زوجها السلطان الأيوبي الصالح أيوب.

ومن السيدات اللاتي لبعن دوراً كبيرا في المجال السياسي ام السلطان بركة ابن السلطان الظاهر بيبرس، وخوند جلبان زوجة السلطان الأشرف برسباي، وخوند طغاي زوجة الناصر محمد بن قلاوون.

 

أما في مجال العلم فهناك: فاطمة ابنة القاضي كمال الدين محمود بن شيرين. علاوة على ذلك يصف المؤرخ السخاوي كيف تزاحم طلبة العلم في عصره على أنس ابنة عبدالكريم، زوجة المؤرخ ابن حجر العسقلاني، التي حدثت في حياته وبعد وفاته.

وقد خصص المؤرخ السخاوي جزءا كاملا من كتابه «الضوء اللامع» لترجمات هؤلاء العالمات العاملات في التدريس مما يؤكد كثرة إقبال عامة نساء عصر المماليك على مجالس العلم والدين.

أما مجال الفن والعمارة فقد بلغا شأنا كبيراً خاصة وأن الحضارة الإسلامية، بفضل اتساعها الجغرافي وتنوعها العرقي، أعطت للفن والعمارة تعددا كبيرا في الأنماط والأشكال؛ فهناك الطراز العباسي، والطراز الفاطمي، والطراز المملوكي، والطراز التركي.

 

وبرزت هذه الأنماط والطرز في بناء القلاع، والبيمارستانات (أي المستشفيات)، والقصور والاسطبلات، والمدارس، والجوامع والمساجد وغيرها.

كذلك للحضارة الإسلامية فضل عمل القواميس والموسوعات التي لم تعرف من قبل مثل: قاموس «تاج العروس» للزبيدي، وقاموس «لسان العرب» لابن منظور، وموسوعة «مسالك الأبصار» لابن فضل الله العمري، وموسوعة «نهاية الأرب» في فنون الأدب للنويري، وموسوعة «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» للقلشندي، ومنها عرف الغرب الأوروبي عمل القواميس والموسوعات.

إن فضل الحضارة الإسلامية على العالم الإنساني كبير، وقد نقلت علوم المسلمين وكتبهم إلى الغرب  فشكلت قاعدة أساسية للحضارة الغربية في العصر الحديث التي ما زالت في  دور التطوير والعطاء.

 

بالإضافة إلى ذلك كله عرفت الدولة العربية الإسلامية في مختلف عصورها العلاقات الخارجية الدبلوماسية التي بدأت بمراسلات رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، مع ملك الفرس وملك الروم يدعوهما إلى اعتناق الدين الإسلامي.

ثم تطورت هذه العلاقات الخارجية في عهد الخلافة الأموية في بلاد الشام، حيث  كانت الاتصالات، بل والتعاون في مختلف الميادين مع الإمبراطورية البيزنطية وعاصمتها القسطنطينية كبيرا.

أما الخلافة العباسية، التي اتسعت خلالها رقعة الدولة الإسلامية فشملت معظم أرجاء العالم المُعاصر، آنذاك، فإن العلاقات الخارجية بلغت امتدادا بعيدا في الهدايا المتبادلة بين الخليفة العباسي هارون الرشيد والإمبراطور شارلمان الذي حكم في النصف الأول من القرن التاسع الميلادي معظم غرب أوروبا.

 

أما في السلطة الأيوبية فإن العلاقات الوطيدة بين السلطان الصالح أيوب وامبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة فردريك الثاني تكشف عن مدى اهتمام كلا الحاكمين في توثيق  الصلات الدبلوماسية بين كلتا الدولتين في القرن الثالث عشر الميلادي.

أما في عهد سلطنة المماليك فإن العلاقات الخارجية الدبلوماسية بلغتا أوج ازدهارها حتى أنه كان في بلاد الظاهر بيبرس ثمانية سفراء من ثماني دول معاصرة آنذاك، مما يؤكد بأن تلك الدول أدركت وقتذاك أهمية تلك العلاقات الدبلوماسية في خدمة مصالحها المشتركة في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وتطورت تلك العلاقات الدولية في سلطنة المماليك في عهود السلطان المنصور قلاوون والسلطان الأشرف خليل والسلطان الناصر محمد بن قلاوون، حيث تكشف الرسائل المتبادلة بين هؤلاء والدول المعاصرة أنذاك عن الاهتمامات المشتركة والأهداف المأمولة من وراء هذا التبادل سواء على مستوى السفراء أو الرسائل المتبادلة.

 

ومن أهم تلك الدول: مملكة قشتالة، ومملكة أراغون، ومملكة صقلية، والإمبراطورية البيزنطية، ومملكة فرنسا، والجهاز البابوي في عهد البابا يوحنا الثاني والعشرين، ومملكة الحبشة، ودولة المغول.

إضافة إلى ذلك توسعت دائرة التبادل التجاري بين المدن الأوروبية الإيطالية والفرنسية والأسبانية وبين سلطنة المماليك فزخرت موانئ الإسكندرية وطرابلس وبيروت بكافة أنواع البضائع الأوروبية لدرجة أنه أصبح لكل جالية من التجار الأوروبيين فندق يستقرون فيه خلال فترة وجودهم في الموانئ المصرية والشامية.

 

بل قد وجدت المحاكم  الأوروبية – الإسلامية المشتركة لحل جميع المشاكل التي قد تنشب بين هؤلاء التجار الأجانب وأمثالهم من المسلمين، مما يدل على أن العالم المعاصر آنذاك أدرك أهمية بناء علاقات إنسانية مثمرة في مختلف مجالات التعاون الإنساني والمصالح المشتركة من أجل خدمة مجتمعات ودول ذلك العالم.

وتحتفظ مكتبة الأسكوريال، في مدريد عاصمة أسبانيا ، وكذلك المكتبات العربية الوثائقية بمناذج عديدة من تلك المراسلات المكتوبة والتي تحمل توقيعات وألقاب وأختام أولئك الحكام المسلمين والأوروبيين في القرنين الرابع  عشر والخامس عشر الميلاديين.

لقد كانت الحضارة العربية الإسلامية جزءاً فعالاً وعنصراً إيجابياً في الحضارة الإنسانية. وهذا هو سبب الاهتمام الكبير عند الدارسين الأوروبيين، والأجانب بشكل عام، بأنماط هذه الحضارة ومختلف مظاهرها وإسهاماتها على مر عصور الدولة الإسلامية التي امتدت قرابة خمسة عشر قرنا، وكان لها قواعد حضارية جذرية في الحضارة الإنسانية العالمية.