الطب

كيفية حدوث عملية الإبصار من وجهة نظر المذاهب والطوائف المتعددة

2009 البصائر في علم المناظر

كمال الدين الفارسي

KFAS

حدوث عملية الابصار الطب

وتبيين المذهب المنصور فيها وما يتبع ذلك.

(الإبصار هو إدراك النفس باستعمال حاسة البصر حالة الاستعمال ما من شأنها إدراكه)، (وقد استقرت آراء المحصلين من الطبيعيين والتعاليميين: أن الإبصار إنما يكون من صورةٍ تردُ من المُبْصر إلى البصر وبها يُدْرِكُ البَصر صورة المُبْصَر.

وآراء المقتدمين من التعاليميين: أن الإبصار يكون بشعاع يخرج من البصر إلى المُبصر، ويمتد على خطوط مستقيمة أطرافها مجتمعة عند مركز البصر، ليتميز لكل نقطة مبصرة سمت فتتميز النقط ولا تمتزج، والرأيان متضادان متباعدان إذا أخذا على ظاهرهما.

ثم إن أصحاب التعاليم قد اختلفوا في هيئة حدوثه فبعضهم يرى أن خروط شعاع البصر جسم مُصْمَتٌ متصلٌ ملتئمٌ لاتصال نقط سطح البصر والخطوط الواصلة بينها وبين مركز البصر.

 

وبعضهم يرى أن الشعاع خطوط مستقيمة هي أجسام دقاق وتمتد متفرقة حتى تنتهي إلى المُبصر فما وافق أطراف هذه الخطوط من سطح المُبصر أدركه البصر، وما حصل بين أطرافها لا يدركه، وكذلك قد تخفى عن البصر الأجزاء الصغار جداً والمسام التي في غاية الدقة، والقائلون بأن المخروط مُصمت طوائف:

فطائفة تعتقد أن الشعاع يخرج من البصر على خط واحد مستقيم إلى أن ينتهي إلى) (المبصر ثم يتحرك على سطح المبصر حركة في غاية السرعة طولاً وعرضاً لا يُدْرِكها الحِس لسرعتها، فيحدث بتلك الحركة المخروط المُصْمت. ولذلك يحرك الناظر سهم مخروط البصر في سطح المُبصر حتى يمسحه مساحةً بوسط بصره ثم يتعين معاينة).

 

(وظائف ترى أنَّ البصر إذا فتح أجفانه نحو المثبصر حدث المخروط دفعةً واحدةً من غير زمان محسوس.

وطائفة ترى أنَّ الشعاع الذي به يكون الإبصار قُوَّة نرية تنبعث من البصر، وتنتهي إلى المُبصر، وبتلك القوة يكون الإحساس.

وطائفة ترى أنَّ الهواء إذا اتصل بالبصر قبل منه كيفية فقط فيصير الهواء في الحال بتلك الكيفية شعاعا ًيدرك به الصر المُبصرات.

 

ولكل منهم مقاييس أدتهم إلى مذهبهم، وقد بين فساداتهم في كتاب الشفاء، وسيقع إليها إشارات خفيفة في مواضعها إن شاء الله تعالى).

فأما المختار فهو الانطباع على ما نقرره، وهو أن البصر لما كان يتاثر بالضوء واللون – وهما يردان إليه وينفذان في شفيف طبقاته – فاخْلِقْ أن يكون إدراكه للصور بما يرد منها إليه، وأن يكون شفيف طبقاته لذلك، (والمراد من الصورة في هذا العلم هو الضوء واللون).

وإذا قابل البصر مُبصر فإنه يتشكل بين سطح البصر – أعني القدر المقابل للثقب – وبين كل نقطة منه مخروط وصورة النقطة  ترد في مخروطها إلى جميع سطح البصر من جميع السّموت التي التأم منها المخروط.

 

وتنفذ فيه إلى الجليدية منعطفة سوى الواردة على سمت العمود إن كان فيها، فإن كان الإدراك عن جميع السموت فيتعدد المُبصر الواحد وتمتزج الصور ولا تتميز وليس الأمر كذلك.

فلا يمكن الإدراك من جميع السّمُوت بل من سمتٍ واحدٍ، ولا يجوز أن يكون السموت الانعطافية لعدم ترجح واحد منها على الباقية فالأحرى أن يكون من سمت العمود لوجهين، أحدهم تميزه بالطبع ووَحدتهن والثاني أن الصورة الواردة على العمود أقوى من المنعطفة

كما تبين في موضعه، وإذ ذاك فيتميز صور النقاط من دون امتزاج على أنه ينفعل ايضاً من المسوت الانعطافية حيناً، كما سنذكر من بعد في الرؤية بالانعطاف، ولا يقدح فيما ذكرنا الآن، ولتخصصه بالانفعال عن سموت الأعمدة وتعويله عليها نظائر في الامور الطبيعية.

 

وإذا توهم مخروط الشعاع الخارج من مركز البصر، ثم من ثقب العنبية فإن كلّ مبصَر يقع فيه فإن صور نقطه ترد على الأعمدة إلى سطح البصر وتنفذ مستقيمة إلى سطح البيضية ثم إلى سطح الجليدية  فيحصل صورة المُبصر في الجزء من سطح الجليدية الذ يحوزه المخروط وترد صورة كل نقطة من المُبصَر إلى نقطةٍ من الجزء المذكور.

والجليدية لا تحس من ناقطها إلا الصور المذكورة فيتميز لها جميع ما يقع في مخروط الشعاع، وكلما ورد إلى جزء من سطح الجليدية صورة على السموت المذكورة تشكلت فيه صورة حسب شكل الجزء.

وترتبت أجزاؤها حسب السموت التي وردت عليها سواء وردت بالاستقامة أو الانعكاس أو الانعطاف إلا أنها إذا وردت بالاستقامة وشرائط صحة الإبصار فيها موجودة على ما يتقرر دلت على أن لها مثالاً في الخارج في جميع معانيها، وإلا فلا بل في البعض.

 

ولو لم يكن مركز سطح البصر مركز الجليدية فالاعمدة الخارجة من مركز سطح البصر إلى السطح لا تكون أعمدة على سطح الجليدية سوى خطٍ واحدٍ فقط فلو كانت الجليدية تدرك الصور من تلك السموت فهي تدرك الصور المنعطفة فلا يتميز لها المبصرات كما مر فينبغي أن يكونا واحداً.

ثم نقول: الإبصار لا يصح إلا بهذا الوجه لأن البصر إذا أحس بالمُبصَر بعد ما لم يكن يحس به فقد حدث فيه شيء بعد ما لم يكن.

ويكون ذلك لعلة، والعلة هي التي إذا بطلت بَطَل معلولها، وإذا عادت عاد، ونجد البصر إذا قابل المُبصَر على ما ذكر أحس به، وإذا زالت المقابلة زال الإحساس ويصح أن يتأثر عند المقابلة من ورود الصورة والانطباع فيه.

 

(قال في الشفاء: "وكما أن سائر المحسوسات ليس يكون إدراكها بأن يرد عليها شيء من الحواس بارزاً إليها متصلاً بها أو مرسلاً رسولاً إليها، وكذلك الإبصار ليس يكون بأن يخرج شعاع البتة فيلقى المُبصر، بل بأن تنتهي صورة المُبصر إلى البصر بتأدية الشفاف إياها").

("فإن الهواء إذا كان شفافاً بالفعل وكانت الألوان ألواناً بالفعل وكمان البصر سليماً"، وسائر شرائط الإبصار المعدودة موجودة "لم يحتج إلى وجود شيء آخر في حصول الإبصار"، انتهى ما في الشفاء)

ولا يصح بخروج الشعاع لأنه مستحيل، سواء كان عرضاً أو جوهراً، واستعداد الهواء والفلك بانفتاح البصر محال، وإلا لزاد بتعدد الإبصار.

 

وكذا بسائر الوجوه ومع ذلك كله فلو كان بخروج الشعاع لما أمكن إدراك الصورة من وراء الخلالة ولا صور ما عند أطراف المحاجر على ما سيأتي مشروحاً في ذكر الإبصار بالانعطاف فبقي أن يكون على ما ذكرنا إذ لا يعتريه فساد وهو كيفية الإبصار إجمالا ًوهي على ما بينت موافق لرأي المحصلين من أصحاب العلم الطبيعي والتعاليميين.

وتبين أن المذهبين صحيحان غير متناقضين إذا حررا على ما ذكر، ولا يصح أن يتم الإبصار بأحدهما دون الآخر، وخطوط الشعاع متوهمة إنما يدرك البصر الأشياء من سموتها فقط.

وليست أشياء تخرج عن البصر البتة، والإحساس إنما هو من تأثير الصورة وتأثر البصر منها، والبصر متهيئ للانفعال بها على وضع خطوط الشعاع.

 

ولأن الجليدية فيها بعض الشفيف والغلظ فلشفيفها تنفذ الصور فيها ولغلظها تثبت في سطحها وجرمها قليلاً فتتكيف بكيفية الضوء واللون وهذا التأثر هو من جنس الآلام لأنه إذا اشتد تضرر، ثم إن هذا الإحساس الذي يحصل عند الجليدية يمتد في الزجاجية، ثم في العصبة الجوفاء إلى المشتركة وهناك يكون آخر الإحساس.

(قال في الشفاء: "ثم إن وراء ذلك روحاً مؤدية للمبصر لا مدركة مرة أخرى، وإلا لافترق الإدراك مرة أخرى لافتراض العصبتين، وهذه المؤدية من جوهر المُبصرة وتنفذ إلى الروح المصبوبة في الفضاء المقدم من الدماغ فتنطبع الصورة المبصرة مرة أخرى في تلك الروح الحاملة لقوة الحس المشترك فيقبل الحس المشترك تلك الصورة وهو كمال الإبصار".

"ثم إن هذه القوة تؤدي الصورة إلى جزء من الروح تتصل بجزء من الروح الحامل لها فتنطبع فيها تلك الصورة فتخزنها هناك عند القوة المصورة وهي الخيالية فتقبل تلك الصورة وتحفظها").

 

(فإن الحس المشترك قابل للصورة لا حافظ.

وأما الروح التي فيها الخيال فإن الصور تثبت فيها، ولو بعد حين.

والصورة إذا كانت في الحس المشترك كانت محسوسة بالحقيقة فيها، حتى إذا انطبع فيها صورة كاذبة في الوجود أحسها كما يعرض للممرورين، وإذا كانت في الخيال كانت متخيلة لا محسوسة انتهى ما في الشفاء).

 

فالبصر آلة للحاس الذي هو عند العصبة المشتركة وغاية البصر أن تقبل صور المُبصرات ويؤديها إليه ثم هو يدركها والمعاني التي يكون فيها.

ولا يجوز أن يكون مركز الجليدية في جرمها بل من ورائها وإلا اجتمعت الصورة الواردة عنده، فإن انقطع الورود عنده كان المتأدي إلى العصبة المشتركة نقطة فقط.

وإن جاوزته كان المتأدي صورة معكوسة والصورة بعد مجاوزتها الجليدية لا تنعطف في الزجاجية مع كونها مخالفة الشفيف، بل الروح المؤدية وُكِّلتْ بحفظها على ترتيبها فتتعاون قوتها ولطف الزجاجية على تأديها من غير تشوه.

 

وإنما خلقت الجليدية على شكلها المذكور لأنه اجتيح إلى كون سطحها موازياً لسطح القرنية لما مر، وقريبة منها ليلاً تضعف الصورة الواردة إليه جداً.

وكون مركزها خارجاً عنها لما مر أيضاً فوجب كونها مفرطحة من قدام وإلا لكان غير موازٍ لسطح البصر أو كان بعيدا ًوكونها مستدقة من خلف، لأن الصورة الواردة من جميع الثقب يكفيها ذلك القدر أن ترد فيه إلى الزجاجية فما سواه من جميع جوانبه فضل.

وإنما كان سطح العنكبوتية في غاية الصقال ليصح كرية سطح الجليدية في الغاية، أعني الجزء من سطحها الذي فيه يرتسم جميع ما يقابل البصر ليكون أوفى بالغرض من خلقتها وكذلك سطح القرنية.

 

وإنما لم يكن سطح الجليدية من وراء صقيلاً لأن الصورة بعد مجاورتها الجليدية لا يعرض لها الانعطاف، وإنما كانت عينين لترتسم عند الحاس الأخير صورتان في موضع واحد، فتزداد الصورة المحسوسة قوة وبياناً فيظهر للحس معانيها كما يتقرر جميعاً من بعد كل ذلك بلطفٍ كاملٍ وحكمة بالغة من الخالق تعالى.

وإنما كان تمام الإدراك عند العصبة لأنه لو تم بالجليدية لكان الشيء يُرى دائماً شيئين وليس كذلك لكنه لما كانت الصورتان تتأديان إلى موضع واحد وتتطابقان فتصيران واحدةً.

ويدل على ذلك أن الناظر إذا غمز إحدى عينيه من جهة غمزاً رقيقاً حتى تتغير وضعها فتميل إلى جهة أخرى وكانت الأخرى على وضعها الطبيعي ونظر عند ذلك إلى مُبصر في الجهة المقابلة للتي كان الغمز إليها ونظر بالبصرين غليه فإنه يراه اثنين.

 

فلو كان إدراكه واحداً لكونه واحداً لكان كذلك دائماً، فقد عُلم أن الحال على ما ذكر، وأما سبب اتحادهما تارة دون الأخرى فلأن المُبصر الواحد إذا أدرك بالبصرين.

وكان وضعهما الوضع الطبيعي كان وضعهما منه وضعاً متشابهاً فتحصل صورة المُبصر في موضعين متشابهي الوضع من البصرين أعني من مخروطي شعاعهما، ووضع العصبة المشتركة من البصرين وضع متشابه أعني أن وضع الوسط من سطحي البصرين الذي يمر به الخط المار بالمراكز بالنسبة إلى وسط العصبة المشتركة وضع متشابه.

فكون وضع الموضعين من البصرين بالنسبة إلى العصبة وضعاً متشابهاً، فتنطبق الصورتان الواردتان من ذينك الموضعين إلى العصبة فيدرك واحداً.

 

والموضعان المختلفا الوضع من البصرين لا يكون وضعهما بالقياس إلى العصبة وضعاً متشابهاً فصورتاهما الواردتان إلى العصبة لا تحصلان في موضع واحد فتدرك صورتين.

وليس قبول الرطوبة الجليدية لهذه الصورة كقبول سائر الطبقات والأجسام المشفة، وذلك لأنها متهيئة للإحساس بها وهو من جنس الآلام فبهذا الوجه يخالف قبولها لها قبول سائر الأجسام، ولذلك تنصبغ بالألوان والأضواء هنيهة ثم تزول.

يظهر ذلك في الأضواء القوية، ولا كذلك سائر الاجسام المشفة فإنها لا تنصبغ ولا يبقى فيها أثر بعد زوال المقابلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق