العلوم الإنسانية والإجتماعية

مفهوم “التنمية البشرية المستدامة”

2004 التدريب أثناء الخدمة

د. فهد يوسف الفضالة

KFAS

التنمية البشرية المستدامة العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

لقد حدد تعريف التنمية البشرية السابقة أبعاداً أساسية ثلاثة تتفاعل لتحقيق هذا المسار التنموي وهي أبعاد اجتماعية واقتصادية وبيئية تهدف إلى الارتقاء المستمر بالمستوى المادي والحضاري للمجتمعات بأبعاده الشاملة .

وفي سبيل معالجة أوجه القصور في هذا المفهوم التنموي فقد تم ابتكار مفهوم جديد للتنمية وهو المفهوم الحالي : التنمية المستدامة.

والتنمية البشرية المستدامة هي تنمية لا تكتفي بتوليد النمو وحسب ، بل توزع عائداته بشكل عادل أيضاً ، وهي تجدد البيئة ولا تدمرها ، وتمكن الناس بدلاً من تهميشهم ، وتوسع خياراتهم وفرصهم وتؤهلهم للمشاركة في القرارات التي تؤثر على حياتهم.

إن التنمية البشرية المستدامة تشدد على النمو الذي يولد فرص عمل منتجة ، والذي يحافظ على البيئة ، وهي تنمية تفعل قدرات الناس وتحقق العدالة فيما بينهم .

 

وبهذا المعنى يمكن تعريف التنمية البشرية المستدامة أيضاً بأنها عملية توسيع خيارات الناس وقدراتهم من خلال بناء الرأسمال الفكري والاجتماعي ، بحيث تتم تلبية احتياجات الأجيال الحالية بأكبر قدر ممكن من الإنصاف ، دون المساس بحقوق الأجيال القادمة.

فالتنمية البشرية إذاً ، ليست مجرد تنمية موارد بشرية، وإنما هي توجه إنساني للتنمية . وهذا المفهوم ، وما يرتبط به من مقاربات ومناهج وتحليل وأساليب عمل ، هو بمثابة "نمط نموذجي" ذي طابع شامل ومركب ، لا يمكن النظر إلى مكوناته بشكل مجزأ .

فالتنمية البشرية المستدامة معنية بالوسائل كما بالغايات ، وتتطرق للنتائج كما إلى الأسباب ، وتتناول الظاهرات كما البنى المولدة لها .

 

إن ما يميز مقاربتها ومنهجية تصديها للمشاكل هو بالضبط تجاوز النظرة القطاعية وتقديم تحليل مندمج ، واستراتيجيات عمل متكاملة . هذا النمط النموذجي يجمع بين رؤية واضحة وتصور مستقبلي ذي ابعاد فلسفية إنسانية.

وبين خطط وبرامج عملية تتصدى للمشاكل والاحتياجات ضمن منهجية شمولية ومندمجة بعيدة المدى ، ويعتمد على المشاركة القاعدية التي تنطلق من إرادة الناس وقناعاتهم ومشاركتهم في صناعة حاضرهم ومستقبلهم بخيارهم الحر .

فالتنمية البشرية لا تكون مستدامة إلا بمقدار ما هي نابعة من خيارات الناس ، وتحترم التنوع والتعددية وتحقيق العدالة.

 

وتكمن قوة هذا المفهوم في التشديد على أهمية تمكين المجتمع ككل من السيطرة على مصيره واختيار طريق التنمية المناسب له ، وعدم اقتصار توسيع الخيارات والمشاركة في العملية التنموية على الأفراد فقط .

كما أن هذا المفهوم يعتمد بشكل أساسي على بناء الرأسمال الاجتماعي الذي يمكن تعريفه بأنه أشكال طوعية للتنظيم الاجتماعي.

ويكمن هذا الأخير في العلاقات بين الناس ويدعو إلى رفع قدراتهم وزيادة مشاركتهم من أجل تحقيق مصالحهم المشتركة ، وهو يتضمن الدعوة إلى ربط التنمية بسياق الأنماط الديمقراطية التي تساعد في قيام تفاعل مستمر بين الدولة والمجتمع ، على اساس أن بناء القدرات المجتمعية وبناء القدرات الإنسانية يدعمان التنمية لتوفير مجتمعات قوية.

 

وبذلك تطرح التنمية البشرية المستدامة تعديلات أساسية وفق أربعة محاور هي:

– الإنتاجية : حيث يجب تمكين الناس من زيادة إنتاجيتهم واعتبار الإنسان هو المحور الأساس في علاقته مع الأرض والآلة والمجتمع والبيئة بهدف تمكينه من تطوير حياته وإغناء قيمته الإنسانية ، أي مواجهة كل أسباب التبعية والاستقلال في العلاقات وأساليبها من أجل مساعدة الأفراد والجماعات على تكوين الصلة الاجتماعية المجتمعية على قاعدة الاتفاق والاعتراف بالحقوق ، وإعطاء الأولوية للإنسان بدل الاتجاهات الاستهلاكية الراهنة .

 

– التمكين : حيث يجب أن تكون التنمية من صنع الناس وليست من أجلهم فقط ، لذا فإن إدراج المسار الديمقراطي والمشاركة في اتخاذ القرارات فيما يختص بتخطيط المشروعات والنشاطات التي تحقق التنمية والرفاه تمثل أساساً للتنمية في ظل وجود حكم صالح ذي إرادة عامة فاعلة وتوسيع لا مركزية السلطة ، مع وجود تشريع يصون حقوق الإنسان ويضمن الحريات العامة ، وتمكين الناس من المشاركة والالتزام في مسار التنمية من باب المشاركة الفعالة في التخطيط والتنفيذ .

 

– الإنصاف : حيث يجب اعتماد العدالة والإنصاف في السياسات والاستراتيجيات أي توفير الفرص المتكافئة للجميع ، وذلك بإيجاد توازن اقتصادي بين القطاعات وبين المناطق والفئات ، بالتركيز على الاستثمار في التعليم والصحة ، بما يكفل الأمان الاجتماعي للجميع، واعتماد سياسات العمالة المنتجة، مع إعادة توزيع الدخل من خلال سياسات ضريبية تسهم في تخفيف الهوة بين الفقراء والأغنياء .

 

– الاستمرارية : حيث يجب التعامل مع البيئة كمصدر أساسي للحياة والرفاهية والاستدامة على اعتبار أن الإنسان والمجتمع والطبيعة يخضعون لتوازنات متحركة ، وكل خلل يصيب هذه التوازنات يؤدي إلى إحداث الضرر بالإنسان وبالطبيعة وبالمجتمع لدرجة تهدد استمرارية ونوعية الحياة للأجيال الآتية ومن ثم ينبغي تجديد جميع أشكال الفرص الرأسمالية المادية والبشرية والبيئية.

 

وكما سبق إيضاحه فإن مفهوم التنمية المستدامة يقوم على أساس أن عملية التنمية هي تلك الجهود التي تلبي احتياجات الجيل الحالي دون التهاون في متطلبات الأجيال القادمة وأن هذه المجهودات تضافرت في ثلاثة أبعاد أساسية هي البعد الاجتماعي والبعد البيئي والبعد الاقتصادي . وقد نجحت المنظمات الدولية في تحديد إطار هذا المفهوم .

والملاحظ أن مفهوم التنمية المستدامة الذي يتردد في أدبيات التنمية وما يضاف إليه بصورة مستمرة من مكونات ليس هو نهاية المطاف على الأقل في هذه الآونة فيما يتعلق بالجوانب التي يكون على جهود التنمية التوجه إليها والتعامل معها في الأجل المتوسط.

ولعل اهتمام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالحث على إعداد تقارير التنمية البشرية لدول العالم الثالث هو إبراز الخصوصية التي تميز كل دولة ثم مراجعة مفاهيم وأهداف التنمية الحقيقية المنشودة وذلك في إطار هذه الخصوصية والتي تبين مدى ابتعاد واقتراب مفهوم التنمية الحقيقية عن الغايات الاقتصادية والاجتماعية المنشودة حتى لا يتم إهدار الجهد الإنمائي بعيداً عن تحقيق تلك الغايات .

 

إن مفهوم التنمية المستدامة في ضوء ذلك يتسع ليشمل اعتبارات أساسية وأخرى جديدة فيما يخص الأهداف التي تسعى لتحقيقها التنمية في هذه الدول والتي تمثل جانبين أساسيين هما :

– التنمية الاقتصادية

– تنمية الموارد البشرية

وذلك استناداً إلى أن التنمية البشرية هي الغاية المرجوة لجهود التنمية وأن الإنسان هو الهدف والوسيلة معاً في إطار هذا الفهم .