الكيمياء

الكيفية التي تتم بها عملية “الصدأ” وطرق مقاومتها والتخلص منها

2002 في رحاب الكيمياء

الدكتور نزار رباح الريس , الدكتورة فايزة محمد الخرافي

KFAS

عملية الصدأ الكيمياء

هناك المئات بل الألوف من الأفران اللافحة التي تستخدم لإنتاج الحديد والصلب في سائر أنحاء المعمورة . 

وبحسب الاقتصاديون كميات الحديد التي تستهلك كل عام للتنبؤ بكمية الحديد اللازم إنتاجها للسنة التالية .  وتدل احصائيات على أن إنتاج كل خامس فرن لافح في هذا العالم يذهب هباءاً . 

ذلك ان حوالي %20 من الحديد المنتج يفقد كل عام ويقع ضحية لعدو لا يرحم، إنه الصدأ … أو ما نسميه بالتآكل . 

 

ولا يقتصر الأمر على الحديد والصلب بل إن هناك فلزات اخرى تصدأ مثل النحاس والقصدير والزنك .  وهنا نتساءل … ما هو كنه هذا العدو … وكيف تصدأ الفلزات وتتآكل ؟

إن التآكل يعني أكسدة الفلزات ، حيث إن معظمها لا يقاوم التأكسد حينما يكون في حالته النقية .  ونحن نلاحظ أن السطح اللامع للفلزات لا يلبث يخبو لمعانه وتكسه طبقة من أكسيد الفلز .   

وحينما تتأكسد الفلزات والسبائك فإنها تفقد خواصها القيمة ، وتصبح ضعيفة وأقل ليونة ، وتقل موصليتها للحرارة والكهرباء .

 

وحينما يبدا التآكل فإنه لا يتوقف عند حد ، ولا يلبث هذا "الشيطان البنى" أن يلتهم القطعة الفلزية رويداً رويداً دون كلل أو ملل .  ويحدث هذا حينما تهاجم بعض جزيئات الأكسجين سطح الفلز ، فتتكون بعض جزيئات اكسيد الفلز ، وتظهر طبقة رقيقة من الأكاسيد على هذا السطح . 

ويلاحظ ان هذه الطبقة من الأكسيد منفذة ، فهي تسمح بمرور مزيد من جزيئات الأكسجين إلى باقي ذرات الفلز لتؤكسدها ، ويصل الصدأ إلى قلب القطعة الفلزية وينتشر في سائر أنحائها ليقضي في النهاية عليها ويحولها إلى قطعة لا نفع منها ولا جدوى .

ويمكن أن تزداد سرعة التآكل إذا توافرت ظروف أفضل لحدوثهن فوجود بعض الغازات مثل الكلور والفلور وثنائي أكسيد الكبريت وكبريتيد الهيدروجين يسرع بعملية الصدأ ، لأن هذه الغازات تقوم بمهاجمة هذا الفلز وتدميره وتسمى هذه العملية التآكل بالغاز .

 

والآن ماذا عن المحاليل المختلفة ؟

إنها ايضاً أعداء للفلزات ، ومثال ذلك مياه البحر والمحيط .. ونحن نعلم أن السفن وعابرات المحيط لا بد من صيانتها بين الحين والآخر ، وذلك بطلاء سطحها بالمواد التي تحفظه من التآكل . 

وفي هذا المجال تروي قصة معبرة عن ثري أمريكي أراد يوماً أن يبني أفضل يخت في العالم ، وكلف إحدى الشركات المختصة ببنائه واطلق عليه اسم "نداء البحر".

وقام المنفذون بعمل كل ما في وسعهم لبناء اليخت في أفضل صورة … ويتم لهم ذلك ، ولم يبق سوى تنفيذ الديكورات الداخلية .  لكن المحزن أن هذا اليخت لم ينزل إلى البحر أبداً … ولم تتح له فرصة لذلك .  فقبل فترة قليلة من اليوم المحدد لتدشينه وإنزاله في الماء وجد أن جسم اليخت وقعره وقد تآكل تماماً … فكيف حدث ذلك ؟

 

إن التآكل عملية كهربائية كيميائية (كهروكيميائية) … فإذا علمنا أن متعهد بناء اليخت قد قام بكساء قعره بسبيكة من النيكل والنحاس تسمى الفضة الألمانية ، وكانت هذه فكرة صائبة لأن هذه السبيكة، وإن كانت مرتفعة الثمن ، إلا أنها تقاوم التآكل بدرجة كبيرة ، لكنها لا تتميز بالمتانة والقوة ، فكان لا بد من استخدام قطع من الصلب إلى جانبها . 

وهنا كانت الكارثة .  لقد تكونت خلايا غلفانية قوية عند نقاط التماس بين الفضة الالمانية والصلب.  فبدأ قعر اليخت في التآكل فوراً .. وكانت النهاية الحزينة .. وكانت النهاية الحزينة .  لقد كانت خيبة أمل كبيرة للمليونير الأمريكي، وكان درساً قاسياً لمنفذي عملية البناء .

هذا هو التآكل .. عدو الفلزات الأول الذي يقضي عليها ويفقدها خواصها .. وإذا أردت أن تعرف فداحة الخسائر التي يسببها فانظر حولك … وتذكر أنه يأكل كل شيء .. بدءاً بالإبرة والمسمار .. والباب والنافذة وأنابيب المياه ومروراً بالسيارة والقطار والطائرة .. وانتهاء بالمنشآت الصناعية الهائلة في كل ارجاء المعمورة .. ويكفي أن نقول إن الخسائر الناجمة عن التآكل تقدر ببلايين الدولارات كل عام .

 

والآن كيف نقاوم هذا العدو ؟

يروى أن عموداً كبيراً من الحديد النقي ينتصب منذ عدة قرون في مدينة دلهي الهندية ، وانه رغم مرور السنين الطوال ما يزال هذا العمود يبدو جديداً لم يتأثر بكل الظروف التي أحاطت به … ويبدو هنا وكأن التآكل قد أخفق في القضاء على هذا العمود .. أو أنه قد أقلع عن مهاجمته .

فكيف تمكن المعدنون من صنع مثل هذا العمود من الحديد النقي ؟ إن الجواب عن هذا السؤال ما زال بعيداً .. حتى أن البعض ذهب إلى القول إن هذا العمود ليس من صناعة الإنسان. . ولكن مخلوقات من كوكب آخر احضرت معها ونصبته هناك .. لتعلن عن وصولها إلى الأرض !!

وإذا ابتعدنا عن الأساطير والحكايات الخاصة بهذا العدو .. تبقى حقيقة أكيدة يعرفها الكيميائيون ، وهي أنه كلما زادت نقاوة الفلز زادت مقاومته للتآكل .. فإذا أردت أن تهزم التآكل ، فما عليك إلا أن تستخدم أنقى الفلزات ولا يقتصر الأمر على نقاء القطعة الفلزية .. بل يمتد الأمر إلى طريقة تجهيزها .

 

فقد أوضحت التجارب أن نعومة السطح تلعب دوراً كبيراً في حمايته من التآكل .  ولقد تمكن المهندسون من تجهيز أدوات فلزية بسطح شديد النعومة وهي التي استخدمت في بناء الصواريخ وسفن الفضاء .

ولنا أن نتساءل .. هل تعدّ النقاوة ونعومة السطح كافيين لمنع التآكل ؟ الجواب قطعاً بالنفي .. ذلك أن الفلزات النقية عالية الكلفة ويصعب تحضيرها وخاصة إذا كنا نحتاج إلى كميات كبيرة منها. 

وإلى جانب ذلك فإن المهندسين يفضلون استخدام السبائك بدلاً من الفلزات النقية ، وذلك نظراً لما تتميز به السبائك من خواص .. والسبيكة كما نعلم تتكون من فلزين على الأقل .

 

لقد درس الكيميائيون كل أنواع التآكل .. وتوصلوا إلى آلياتها المختلفة، وأصبح بإمكانهم تحضير السبيكة المطلوبة لخدمة أغراض بعينها، وهم حين يفعلون ذلك ، فإنهم يراعون قدر هذه السبيكة على مقاومة التآكل .. ولقد تم تحضير العديد من السبائك التي لها قدرة عالية على مقاومة التآكل لفترات زمنية طويلة . 

والطريقة الثانية للحماية من التآكل تعتمد على تفاعلات كهروكيميائية .  فنحن نعمل في حياتنا اليومية مع العديد من الأدوات المغلفة او المطلية بالقصدير .  ويتم تغليف الحديد بطبقة رقيقة من الزنك أو القصدير لحمايته من التآكل …

ومن ناحية أخرى فإن الحماية من التآكل والتقليل منه .. يعني التقليل من شدة التفاعلات الكهروكيميائية التي تشكل عملية التآكل .. ومن أجل ذلك تستخدم العديد من المركبات العضوية وغير العضوية والتي نطلق عليها اسم مانعات التآكل .

 

لم يعد البحث عن مانعات التآكل فناً … أو محض صدفة ولكنه علم محدد له أصوله وقواعده .  وهناك المئات من هذه المواد اصبح معروفاً الآن ويستخدم في الظروف المختلفة .  وتقوم هذه المواد بتغليف سطح الفلز فتعزله بذلك عن البيئة المحيطة وتحميه من تأثيرها .

إن مانع التآكل .. هو "الفيتامين" الذي نعطيه للفلز لتزيد من قدرته على الصمود في وجه التآكل .. وتزيد بذلك من مناعته .. وهكذا فإننا نحافظ بهذه الطريقة على "صحة" الفلز قبل أن يصاب بعدوى التآكل .. وهذا هو الواجب الأساسي "الطبيب الفلزات" .. وهو الكيميائي .

Show More

Related Articles

Close