البيئة

أنظمة “المنظومة البيئية”

2007 في الثقافة والتنوير البيئي

الدكتور ضياءالدين محمد مطاوع

KFAS

المنظومة البيئية البيئة البيولوجيا وعلوم الحياة

إن الازدياد المستمر والمطرد في أعداد الجنس البشري إلى جانب الطفرات المذهلة في عالم التكنولوجيا الدائم التطور والتحديث، قد أصبحت عوامل قوية التأثير على وظائف وعمل المحيط الحيوي. 

ومن الجدير بالذكر أن العالم مارش في عام 1864م كان أول من نادى بتدارك تأثير الإنسان على البيئة.  ولقد أصبح هذا الموضوع فيما بعد مجالا خصبا لعديد من البحوث خلال هذا القرن.

وفي الحقيقة، فإن العلاقات بين المجتمعات البشرية والطبيعية علاقات معقدة ومتشابكة، حيث تتضمن المنظومة البيئية ثلاثة أنظمة مختلفة وهي: المحيط الحيوي Biosphere، والمحيط الاجتماعي Sociosphere، والمحيط التقني Tchnosphere.

 

ويعرف المحيط الحيوي بأنه ذلك الجزء من الكرة الأرضية التي توجد فيه الحياة وتسير على نهجها الطبيعي، ويمكنها الاستمرار بدون تدخل مباشر للإنسان، ويتكون المحيط الحيوي عادة من الطبقات السفلى من الغلاف الجوي والطبقة السطحية من اليابسة، إلى جانب الطبقات العليا من الماء. 

وبالتالي فإن هذه المكونات الثلاثة الأساسية من الغلاف الجوي واليابسة والماء وما بها من كائنات حية تكوّن ما يعرف باسم المحيط الحيوي.  ومجمل القول، فإن المحيط الحيوي جزء من كوكب الأرض وغلافه الجوي الذي هو في حد ذاته جزء من التراكيب الكونية.

 

ولنشأة المحيط الحيوي تاريخ قديم يرجع إلى ملايين السنين.  وبالتالي فإن تفاعل مكوناته أو بداية عمله قد تلت أو واكبت سير العمليات الفطرية على كوكب الأرض، التي تحكمت فيها القدرة الإلهية وحدها بدون أدنى تدخل من  البشرية. 

ويحتوي المحيط الحيوي على أماكن خاصة معدة وممهدة لنمو الكائنات الحيوية، وفي نفس الوقت فإنه يحتوي على العناصر التي تضمن لها التكاثر والبقاء، مثل الماء والهواء والغذاء، كما أن المحيط الحيوي يمد الكائنات باسباب البقاء، وهو أيضاً يحوي في طياته أخطارا تهدد خير ورفاهية الجنس البشري، وخير أمثلة على ذلك الكوارث التي تنشا عن الزلازل والبراكين.

أما المحيط التقني Technosphere فهو نظام صاغه الإنسان وتحكم فيه، وهو يتكون من أفرع وتركيبات عديدة داخل نطاق المحيط الحيوي الذي نحيا فيه، مثل المناطق السكنية والصناعية وسائل النقل والمواصلات وأنظمة التحكم في سريان الأنهار وتكنولوجيا استصلاح الأراضي… الخ.  ويخضع هذا النظام بالكامل للتحكم المباشر من قبل الإنسان. 

 

والجدير بالذكر أن النظم التقنية نظم حديثة العهد باستثناء أنواع التقنيات البدائية التي استخدمت في استزراع الأراضي، ذلك النشاط الذي واكب استقرار الإنسان على كوكب الأرض وظل تحت إدارة الإنسان بغير أن تكون تحت تحكمه المطلق، لأن الظروف الطبيعية كالمناخ وتقلباته هي التي تمارس آثارها على الزراعة.

والمحيط أو النظام الاجتماعي Sociosphere هو نظام أوجده الإنسان أيضاً، وعني به العديد من الهيئات والمؤسسات والمعاهد المتخصصة، التي أخذت على عاتقها تطوير المجتمع البشري ليكون مؤهلا للمهام الآتية:

أ- إقامة علاقات سوية داخل العشائر البشرية الواحدة.

ب- تقويم علاقات الجنس البشري بالمحيط الحيوي ومدى قدرته على التأقلم والتدرب على الأنظمة التكنولوجية، التي سبق الحديث عنها.

 

إن "المحيط الاجتماعي" يضم ثلاثة محاور أساسية، هي: محور الاجتماع السياسي، ومحور الاجتماع الاقتصادي، ومحور الاجتماع الثقافي.  ومما لا شك فيه أن هذه المحاور الثلاثة لا يخلو منها أي مجتمع بشري على كرتنا الأرضية. 

كما أن علم الاجتماع قد تطور مع تطور الجنس البشري على مر الأزمنة والعصور، وأنه قد نقل إلنيا علم الأديان، وأورثنا الميراث الثقافي، وسجل تطور القوميات المختلفة، وما زال يسجل ويحلل التطورات الاجتماعية المعاصرة.

إن العلاقات بين الأنظمة الثلاثة المذكورة آنفا (المحيطات: الحيوي والاجتماعي والتقني) هي علاقات عديدة ومتشابكة ومختلفة.  ويرجع اختلافها إلى الاختلاف الواضح بين هذه الأنظمة من حيث نشأتها وتطورها وآليات التحكم فيها… الخ. 

ومن الجدير بالذكر أن لكل نظام من هذه الأنظمة آليات خاصة تجعله قادرا على أداء وظائفه، وقوانين خاصة تحكم العلاقات العديدة بين مكونات النظام الواحد.  وإلى جانب ذلك فلكل نظام علومه وعلماؤه الذي لا يدخرون جهدا في شرح وإيضاح كيفية عمل النظام .

 

وتشمل علوم المحيط الحيوي العديد من العلوم (مثل علم المناخ، وعلم المياه، وعلم التربة، وعلم الأحياء، وعلم المحيطات….الخ).  وتتكامل جميعها وتندمج تحت إطار واحد هو علم البيئة.  ولكن علوم المحيط التقني تشمل العمارة والهندسة وغيرها من العلوم التقنية. 

أما علوم المحيط الاجتماعي فهي علوم عديدة ومتشعبة وتشمل: السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والثقافة والآداب… الخ.  وخلاصة القول، فإن العلوم البيئية هي نتاج تكامل جميع العلوم السابقة، وبالتالي فهي الماعون الذي يحتوي على علوم المحيطات والتقني والاجتماعي.

ويتميز الإنسان عن سائر الكائنات الحية بفكره وذكائه، فهو المؤسس والمحرك لعجلة التقنية، وهو المؤثر الفعال في العلاقات المتبادلة بين الأنظمة الأساسية الثلاثة، ومن ثم مدى التوازن بينها . 

 

وإذا أمعنا النظر في تلك التفاعلات، وما يحدث من خلل في توازنها، نلاحظ أن ظواهر المحيط الحيوي لا تخضع للتحكم المطلق من قبل الإنسان، ولكن الإنسان يد الطولى في توجيه التقنية إما لصالحه، مثل سعيه الدؤوب لإنشاء محطات توليد الطاقة. 

وإما ضده، مثل التسابق على صناعة أسلحة الدمار الشامل.  ولا مناص له في الحالتين من استخدام التقنية. 

ولما كان صناع القرار ينتمون في الأصل إلى المحيط الاجتماعي، فمن هنا ندرك أهمية هذا المحيط في استغلال عناصر الطبيعة وآليات التقنية المستخدمة لتحقيق رفاهية البشر.