البيئة

العوامل الطبيعية المؤثرة في النظام البيئي

2007 في الثقافة والتنوير البيئي

الدكتور ضياءالدين محمد مطاوع

KFAS

النظام البيئي العوامل الطبيعية البيئة البيولوجيا وعلوم الحياة

تتعدد العوامل الطبيعية المؤثرة في النظام البيئي، ومن أهمها ما يلي:

1- الضوء

يعد الضوء من أهم العوامل البيئية التي تؤثر على الكائنات الحية، فجميع الكائنات الحية تلائم بين معيشتها وسلوكها، وبين ما تتعرض له من ضوء في البيئة التي تعيش فيها. 

وتختلف الكائنات الحية في مدى تعرضها لضوء الشمس تبعا لاختلاف الأوساط التي تعيش فيها؛ ففي المحيطات والبحار تقل شدة الإضاءة تدريجيا نحو الأعماق حتى تصل إلى بيئة مائية لكائنات حية نباتية وحيوانية نادرة ومتخصصة تعيش في ظلام دامس. 

وفي المناطق القطبية يطول كل من الليل والنهار لبضعة أشهر، وهذا يوضح الاختلاف الكبير في الزمن الذي تتعرض فيه الكائنات الحية لأشعة الشمس تبعا لموقعها على سطح الأرض.

 

أ. أثر الضوء في النبات

الضوء عامل أساس في قيام النبات بعملية البناء الضوئي، التي يقوم فيها النبات بتصنيع المواد الكربوهيدراتية، ثم المواد البروتينية والدهنية.

ولحصول النبات على الضوء من البيئة التي يعيش فيها، فإنه يستخدم بعض الأساليب التي تمكنه من تعريض أوراقه وسوقه الخضراء إلى أكبر قدر ممكن من الضوء.

فالجذور تتسم بالسماكة والضخامة لحمل الأفرع المتعددة وما عليها من أوراق وأزهار، وترتفع السوق إلى مسافات عالية لضمان التعرض للضوء.

 

ويؤثر الضوء تأثيرا واضحا في نمو النبات، فإذا حجب عنه الضوء فقدت أوراقه لونها الأخضر، واستطالت سلاميات ساقه، وعجز عن تكوين الأنسجة الدعامية. 

ويؤثر الضوء كذلك في الأوكسينات النباتية، وهذا يؤدي إلى الانتحاء الضوئي الموجب للساق، والانتحاء السالب للجذور بعيداً عن الضوء.

كما يعد الضوء عاملا هاما ومؤثرا في فتح الثغور النباتية المنتشرة بين خلايا البشرة للمجموع الخضري، حيث يتسبب في رفع درجة الحرارة، ومن ثم زيادة معدل النتح من سطوح الأوراق والسوق النباتية، ويؤدي ذلك إلى تلطيف درجة حرارة الجو حول النبات.

 

ب. أثر الضوء في الحيوانات

يختلف سلوك الحيوانات كثيرا بالنسبة للضوء، فبعض الحشرات مثلا تنشط أثناء النهار كالذباب، وبعضها يختفي ولا يظهر إلا ليلا، متحاشيا الضوء قدر الإمكان، مثل البعوض. 

كما أن بعضها الآخر ينجذب إلى الضوء الصناعي ليلا، مثل الفراشات، حيث يعتمد نشاطها في الضوء على عدة عوامل، هي: درجة الحرارة، ونسبة رطوبة الجو.

كما أن بعض الطيور – مثل البوم- لا يظهر إلا ليلا أو عند الغروب، لعدم قدرته على مواجهة الضوء، حيث تقل الإضاءة خلال هذه الفترة، وتخرج الجرذان التي تتغذى عليها.

 

وتعزى الهجرة الموسمية لأنواع معينة من الطيور إلى تاثير الضوء.  وقد استطاع مربو الدواجن زيادة إنتاج البيض في مزارعهم، وذلك بتعريض الدجاج لفترات إضاءة صناعية طويلة. 

كما تعييش بعض الحيوانات البحرية في البيئة المائية سابحة بالقرب من السطح، لاحتياجها إلى الضوء، بينما يغوص بعضها الآخر في الأعماق بعيداً عن الضوء – مثل الأخطبوط – لعدم حاجته إلى الضوء.  كما تصدر بعض الأسماك الفسفورية أضواء متلألئة عند الأعماق.

 

2- الحرارة

الحرارة من العوامل الطبيعية المؤثرة في توزيع النباتات والحيوانات، وذلك لتأثيرها في سير العمليات الحيوية التي تجري في أجسام الكائنات الحية.  فمعظم الكائنات الحية لا تستطيع أن تتكيف مع التذبذب الحراري الشديد بين الارتفاع والانخفاض. 

ويوجد مدى حراري لا تتعداه معظم الحيوانات والنباتات أثناء نشاطها اليومي، ويتراوح هذا المدى ما بين (10) و (45) م°، ولكن هناك بعض الكائنات الحية تستطيع أن تتحمل درجات أقل من هذا المعدل أو أكثر منه.  فأسماك القطب الشمالي تمارس نشاطها عند درجة الصفر المئوي أو أقل بقليل. 

كما توجد بعض أنواع البكتريا والطحالب والأوليات التي تعيش في الينابيع الحارة، حيث تصل درجة الحرارة إلى (70) م° أحياناً.

 

وقد يؤدي الانخفاض الشديد في درجات الحرارة تحت حدود احتمال الكائن الحي إلى تلف العديد من الأنسجة، وتكوين بلورات من الثلج داخل خلاياه. 

أما زيادة الارتفاع في درجات الحرارة عن المعدل المناسب، فإنها تؤدي إلى تخثر البروتينات وتحطيم الإنزيمات في البروتوبلازم، مما يؤدي إلى موت الكائن الحي. 

وعندما تصبح درجة حرارة الوسط غير مناسبة قليلا، فإن الكائن قد يلجأ إلى السكون، وهذا يبدو واضحا في تكوين الجراثيم في حالة البكتريا والنباتات الدنيئة، أو تكوين الحويصلات في الحيوانات الأولية وبعض اللافقاريات، أو تكوين البذور في النباتات الراقية.

 

وقد تتغير درجة حرارة أجسام بعض الكائنات تبعا لتغير درجة حرارة الوسط الذي تعيش فيه، كما هي الحال في الأسماك والبرمائيات والزواحف وجميع اللافقاريات. 

أما الطيور والثدييات فدرجات حرارة أجسامها ثابتة، إلا أن بعضها يتفادى الأخطار التي تنجم عن الانخفاض الشديد في درجة حرارة الوسط، (كالأسماك والبرمائيات والزواحف) بقيامه بالبيات الشتوي، بينما تلجأ حيوانات أخرى (مثل الرخويات والحشرات) عند تعرضها لحرارة مرتفعة نسبيا إلى ما يعرف بالخمول الصيفي.

وفي كلتا الحالتين يمر الحيوان بفترة ستكون يكاد ينعدم فيها النشاط الحيوي لأجهزة جسمه، باستثناء الأجهزة الضرورية لبقاء الحيوان حيا، مثل أجهزة الدوران. كما يلجأ بعضها الآخر إلى الهجرة إلى مناطق أخرى ذات درجات حرارة أكثر ملائمة لها.

 

3- الماء

يعد الماء من أهم ضرورات الحياة.  فجميع الأنشطة الحيوية والتفاعلات الكيميائية الخلوية في الكائنات الحية لا تتم إلا في وسط مائي، ولذلك يكون للماء نسبة عالية من محتوى خلايا الكائنات الحية على اختلاف أنواعها، فقنديل البحر (من الجوفمعويات) يحتوي على 99% من وزنه ماء، بينما يحتوي بروتوبلازم الإنسان على 75% من وزنه ماء. 

وتصل هذه النسبة في بعض النباتات المائية إلى 90%، بينما تبلغ 50% من وزن نبات الصبار تقريبا.  وكل كائن حي عليه أن يحصل على كفايته من الماء من بيئته لمواجهة احتياجاته الحيوية.

وتكون نباتات البيئة المائية (العذبة أو المالحة) إما طافية على سطح الماء مثل: البشنين، وورد النيل، وعدس الماء وزنبق الماء أو مغمورة فيه، مثل: نخشوش الحوت أو الإلوديا Elodea، وقد تنمو جذور بعض النباتات مثل: البوص، أو عشبة البركة (التيفا) في التربة الرطبة الحافية للوسط البيئي المائي.  ويمكن توضيح مكونات وسط بيئي مائي في شكل (1).

 

وتتميز نباتات البيئة المائية بوجود فجوات هوائية كبيرة في تراكيب أعضائها المختلفة، تخفف وزن النبات في الماء، ويخزن بها غازات التنفس والبناء الضوئي، نظرا لقلة الهواء المذاب في الماء. 

كما تختزل الأنسجة الدعامية والوعائية فيها (إلى حد كبير) لتيسير حصولها على الماء وما به من أملاح، وكذلك لتيسير حركة أعضائها مع حركة أمواج الماء. 

كما أن أوراقها تكون شريطية رقيقة، وتكون أنسجة سوقها وأوراقها غنية بالبلاستيدات الحضراء (لقلة كمية الضوء النافذ خلال الماء)، وتخلو بشرتها من الثغور، كما تخلو من غطاء الكيوتين تقريبا.

 

أما نباتات البيئة المتوسطة فتستمد حاجتها من الماء بامتصاصه من التربة بواسطة الجذور المتشعبة فيها.  ولكن نباتات البيئة الجافة إما أن تكون قصيرة الأجل (تنبت وتزهر وتثمر في فصل الأمطار) أو تكون ذات تحويرات تؤدي إلى احتفاظها بالماء الذي تمتصه من التربة أو الندى، وهي تتميز بسمك طبقة الكيوتين ونقص أو انعدام الثغور.

وتحصل الحيوانات على حاجتهخا من الماء عن طريق الشرب، أو عن طريق الماء الموجود في الغذاء، أو في الفرائس (في حالة الحيوانات الآكلة للحوم).

أما الحيوانات التي تعيش في الماء (كالأسماك)، فلا تجد صعوبة في الاحتفاظ بالتوازن المائي داخل أجسامها. 

 

ولكن الحيوانات التي تعيش على اليابسة تتعرض للموت إذا ما فقدت ثلث ما في أجسامها من الماء. 

ويعد الجمل مثالاً في قدرته على الاحتفاظ بالماء، وذلك عن طريق نقص محتوى إفرازاته من الماء، وتجنبه التنفس من الفم.

 

4- التربة

وهي الطبقة البسيطة التي تغطي قشرة الأرض، التي تتكون بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من تحول الطبقة السطحية للصخور، ويؤثر الماء وعوامل التعرية فيها، وتتحلل الكائنات الحية التي تتعاقب فوقها.  وتعد التربة مرتكزا لنمو النباتات، كما أنها وسط مهم لمعيشة الكثير من الكائنات الحية.

ويعتمد وجود الكائنات الحية النباتية والحيوانية على التركيب الكيميائي للتربة، وطبيعة حبيباتها.  فقد تكون تربة رملية معظم حبيباتها من الرمل الخشن أو الرمل الناعم، أو تكون طينية معظم مكوناتها من الطمي الدقيق الحبيبات. 

أما التربة الطفلية فيكون معظم مكوناتها من حبيبات الطفلة (أدق الحبيبات حجما)، ولذا تكون سيئة التهوية والصرف.

 

وقد توجد أنواع أخرى من التربة، مثل التربة الصفراء التي تجمع بين الرملية والطينية، وتفوقهما في الخصائص، من ناحية: نسبة التهوية، والصرف، وغزارة إنتاجها للمحاصيل. 

ويعيش في كل نوع من أنواع التربة كائنات حية تميزها عن غيرها، وتتناسب أعدادها مع درجة تهويتها، وصرف الماء فيها، وتوافر المادة العضوية بها.  وتعيش النباتات عادة في جميع أنواع التربة، ولكنها تندر أو تنعدم في التربة الصحراوية الجافة.

وتسكن التربة أنواعاً كثيرة من الحيوانات، مثل: القوارض او الزواحف أو ديدان الأرض، وكثير من الحشرات والعناكب وعديدات الأرجل، هذا إلى جانب العديد من الكائنات الحية، مثل: البكتريا والفطريات، وغيرها من الكائنات الحية الدقيقة التي تصل في بعض أنواع التربة إلى بضعة آلاف منها في كل جرام واحد.