علوم الأرض والجيولوجيا

ميكانيكية التيارات البحرية في التخلص من مياه الصرف الصحي

1996 المصبات البحرية لمياه الصرف الصحي

أ.د عادل رفقي عوض

KFAS

ميكانيكية التيارات البحرية التخلص من مياه الصرف الصحي علوم الأرض والجيولوجيا

إن نموذج مصب بحري لمياه الصرف يكون من خلال مد خطوط مجارير على أرضية البحر, وهذه الخطوط يجب أن تنظم وتمد بشكل رئيسي متعامدة مع خط الشاطئ (الشكل رقم 1-3 من الجزء الأول).

وطالما أن أرضية البحر في الواقع المجاورة للسواحل هي بشكل عام ذات ميول ضعيفة فإن ذلك يقتضي في الغالب تمديدات من الأنابيب بطول عدة كيلومترات لكل واحد منها هذا إذا افترضنا ضرورة وضع المصب في عمق كاف من البحر.

ولما كانت تيارات الأمواج القوية تتركز في الطبقات البحرية العليا فإن علينا أن نضع المصب في الأعماق الكبيرة إذا أردنا أن نحميه من خطر هذه التيارات, كما يجب أن يوجد في نهاية الأنبوب جزء رذاذ بفتحات صغيرة عديدة تتوزع مياه الصرف على طول كبير في البحر.

والمعطيات الهندسية لمصب بحري لمياه الصرف يمكن أن تتصف بكون المقاييس الأفقية للمصدر المائي أكبر بكثير من طول الجزء الرذاذ Diffusor وهذه المقاييس تشكل حجماً قياسياً كبيراً في عمق المياه.

 

إن قطر الرذاذ وتباعد فتحاته العديدة تقع في مجال أطوال تتراوح من متر إلى عدة أمتار ويكون قطر الفتحات عموماً بحدود 10سم.

إن تصميم مصب بحري فعال وناجح من ناحية التنفيذ لايكفي أن يؤمن – قدر الإمكان – خروج مياه المجاري لكل وحدة طول على كامل جسم الرذاذ بشكل ثابت, بل يجب أن يؤمن أيضاً تجنب عمليات الترسيب أو التسرب للمياه البحرية المالحة, إلى المصب.

وعليه أن يضمن أيضاً أصغر مقدار ممكن من فواقد الطاقة. ونحن نعالج هذه المشاكل الخاصة بجريانات المياه الداخلية (داخل المصب) في الجزء الرابع اللاحق من الكتاب .

والسؤال الجوهري هنا يتعلق بإمكانية إقامة المصب البحري تحت مراعاة الشروط المتوافرة بحيث يحقق متطلبات جودة المصدر المائي.

 

وبالنسبة لفعالية وجودة التخلص من مياه المجاري عن طريق المصب البحري فإن الأمر الأساسي فيها يتعلق من جهة بخلط مياه المجاري مع البحر وتخفيف تركيزها, ومن جهة أخرى بعمليات الهضم الكيميائي ــــ البيولوجي وعمليات التعقيم ومراحل الترويب والترسيب.

إن معالجة موضوع الخلط وتخفيف التركيز يقع ضمن إطار ميكانيك التيارات المائية البحرية الذي يبين القواعد التي تقوم عليها الاختلاطات الجائشة لمياه الصرف بمياه البحر وعمليات نقل مياه الصرف في البحر حيث يخفض تركيزها.

وهنا يمكن التمييز بين ثلاث مراحل متتالية تتعلق بموقع المصب ومدى البعد عنه والزمن اللازم حسب شدة الخلط الشكل رقم (3-3) .

إن مياه المجاري المساقة إلى البحر تملك طاقة حركية (Kinetics energy) بسبب سرعة خروجها من المصب البحري، وتملك أيضا طاقة كامنة (Potential energy) بسبب اختلاف الكثافة بين مياه الصرف ومياه البحر.

 

وتتكون التيارات الجائشة نتيجة قوى الدفع والرفع، والتي يتحرك السائل (مياه المجاري) بواسطتها بسرعة كبيرة نسبيا باتجاه السائل المحيط (مياه البحر).

ويأخذ خليط المياه (مجاري + مياه البحر) تحت تأثير القوى السابقة المنحى العمودي. وهذا الاختلاط يؤدي إلى ارتفاع درجة التخفيف (الانحلال) للوسط السائل الجائش الأصلي، وكذلك يؤدي إلى تخفيض تركيز الملوثات بابتعادها عن مكان خروجها.

وفي مجال تراكب الطبقات المائية تنتشر مياه الصرف المخففة سابقا في الوضع الأفقي، إما على سطح مياه البحر، وإما في عمق محدد لتراكب الطبقات المختلفة الكثافة أي ما يسمى (بالطبقة الحيادية).

في هذه الطبقة تكون كثافة المياه الجائشة المكونة من مياه المجاري + مياه البحر مساوية للكثافة في الوسط المحيط)، وتميل سماكة هذه الطبقة الحيادية إلى الانخفاض كلما أصبح الانتشار أفقيا.

 

وبعد استهلاك طاقة المصب فإن مياه المجاري مخففة التركيز تتركز دوما في حقل خاص بها وتسلك سلوك مياه البحر المحيطة بها، فتتحرك سلبا تماما كما تتحرك مياه البحر، وهذا أشبه ما يكون بدخان المصانع عندما يتحرك بعكس اتجاه الرياح.

في هذه المرحلة الثالثة (3) يتم الخلط بسبب الاضطراب الطبيعي للتيارات البحرية إلا أن هذا الخلط هو أضعف بكثير عما هو عليه في مجال الخلط الديناميكي الفعال (خصوصا في المرحلة 1) وبذلك يكون مجموع فعاليات المجالات الديناميكية الخاصة بالتيارات في تخفيض تركيز مياه المجاري مساويا لعامل الاختزال: 10 3.

نستنتج من ذلك أن فعاليات العملية الديناميكية الخاصة بالتيارات في تخفيض التركيز (ميكانيكية التيارات البحرية المعالجة لعملية خلط وتخفيف التركيز) لا تكفي وحدها لمعالجة مياه الصرف المساقة عبر المصب إلى البحر, فمن المؤكد أنها لن تحقق شروط المعالجة الأساسية والمطلوبة لمياه المجاري.

 

هذه المعالجة التي لن تحقق بشكل كامل ومقبول إضافة إلى العمليات السابقة إلا من خلال عمليات الهضم أو التفاعل الكيميائي – البيولوجي وعمليات التعقيم التي تتعرض لها مياه المجاري المساقة عبر المصب إلى البحر.

مقابل هذا الرقم نقف أمام متطلبات جودة لمياه البحر هي جزئياً أعلى بكثير, فمثلاً بسوق مياه مجاري خاضعة إلى معالجة ميكانيكية بشكل مسبق وحاوية لعدد من عصيات الكوليفورم يبلغ بحدود 610 لكل واحد مل تقريباً إلى البحر.

فإنه لا يمكننا قبول هذه المياه لأن قيم ملوثاتها لا تتناسب مع المعايير المسموح بها في مياه السباحة الشاطئية اليت يجب ألا تزيد عصيات الكوليفورم فيها عن 10 لكل واحد مل ماء, ويعني هذا بالنتيجة, أن عامل الاختزال المطلوب هو10° .

 

إن ما قلناه يقودنا إلى نتيجة وهي أن ديناميكية المياه لا تكفي وحدها لتخفيف التركيز حتى العامل 10° , ويتطلب هذا إلى جانب تحقيق إيجابيات عملية ميكانيك التيارات المائية البحرية الخاصة بالخلط وتخفيف التركيز, أن تكون مدة البقاء الأصغرية لمياه المجاري التي تقودها التيارات المائية حتى تصل إلى الشاطئ كبيرة, بحيث تحقق معها عمليات الهضم والتفاعل والتعقيم.

وكمقياس زمني لذلك يعتمد المجال الزمني الذي ينخفض فيه التركيز الأصلي حتى 10% من خلال عمليات التفاعل والتحلل بواسطة بيولوجيا البحر المحلية, هذا المجال محدد بحالة المحيط الباسيفيكي مثلاً بقيمة ما بين 2-8 ساعات .

ويمكن أن تنخفض هذه القيمة إلى أقل من ساعة (راجع الجدول رقم (6-2) في الجزء السادس من الكتاب).

 

وحول ديناميكية التيارات البحرية واختلاطها بمياه المجاري وانتشار حقول مياه الصرف وانتقالها في الوسط البحري, نطرح أهم الملاحظات التي تهم البحث والتي يمكن الرجوع إلى تفاصيلها في المراجع (10و11و12و13و14) :

– إن تزايد عمق المصب (Zo) (الشكل رقم 3-3) يقتضي بالضرورة البحث عن مكان آخر أكثر عمقاً. وإن تصغير مقطع الخروج (do) برفع سرعة الخروج (Uo) يزيد وبشكل هائل من حاجة المصب إلى الطاقة .

 

– إن التخفيف الأولي للتركيز من خلال قوى الدفع والرفع معطى بالقيمة التي يدخل فيها مجال حقل مياه الصرف على ارتفاع (Zb) (الشكل رقم 3-3).

إن سرعة التيار البحري لها دور هام في تحديد عملية نقل حقل مياه الصرف وانتشاره في البحر, ونحن إذا عرفنا من خلال الشروط الاستمرارية سرعة التيار البحري (Uh) يمكننا حساب سماكة حقل مياه الصرف (h) الواقع أعلى الرذاذ بشكل تقريبي, وفي الحالة الشاذة التي تكون فيها سرعة التيار البحري معدومة (Uh =..)

تكون عملية نقل التيارات البحرية لحقل مياه الصرف قليلة جداً أو معدومة, مما يتسبب في زيادة كبيرة لسماكة حقل مياه الصرف أعلى الرذاذ, حتى يمكن للحقل أن يتصاعد ليأخذ حيزاً كاملاً من عمق المياه ولنا مثال تقريبي على ذلك بصب مياه تبريد المصانع بكميات كبيرة جداً في مصادر مائية قليلة الأعماق.

ونصل هنا إلى نتيجة بدهية تقول إن عملية التخفيف الأولي للتركيز تحقق من خلال نقل مياه الصرف بواسطة التيارات البحرية أي من خلال عمق المياه وسرعة التيارات البحرية فيها.

 

– إن تحقيق الحالة المثلى للمصب البحري لمياه الصرف يكون من خلال عامل العمق الذي يحدد حيادية مياه الصرف (أي أن تكون واقعة في الوسط الحيادي). ولهذا العامل دور هام فمن جهة يلزم أن يكون حقل مياه الصرف (Sewage field) واقعاً تحت عمق كافٍ من سطح البحر, ومن جهة أخرى يقل تخفيف التركيز الأولي كلما ازداد مكان حقل مياه الصرف عمقاً. والعامل الحاسم في تحديد ارتفاع حقل مياه الصرف هو كثافة طبقات البحر عند موقع الصب, والتي تتغير تبعاً لفصول السنة ففي أوقات محددة من العام مثلاً تختلف ارتفاعات حقل مياه الصرف.

إن ضمان وجود حقل لمياه الصرف تحت سطح البحر لا يمكن أن يكون إلا بشرط كون مياه البحر غير متجانسة (مختلفة الكثافة), فهي إذا كانت متجانسة انتقل حقل مياه الصرف إلى السطح بسهولة لأن مياه الصرف أخف من مياه الوسط البحري.

 

– إن حقل مياه الصرف مخفف التركيز يخضع لعوامل انتشار من خلال التيارات البحرية. وحساب هذه العمليات في هذه المرحلة (3) يمكن أن يتم من خلال نماذج عددية ذات بعدين أفقيين. وأساس مثل هذه النماذج هو في معادلات الحركة الشاقولية التكاملية في اتجاهين أفقيين, ومعادلات الاستمرارية التي تصف عمق المياه وعناصر السرعة Uh.

وبسبب عدم دقة الفرضيات للعوامل الفيزيائية فإنه يكتفى حالياً بتقدير انتشار مياه الصرف من خلال التيارات البحرية التي تعتمد الحسابات ذات البعدين الأفقيين للتيارات البحرية المستقرة بإهمال الانتشار الشاقولي, وهي طريقة مطورة للباحث Brooks.