العلوم الإنسانية والإجتماعية

مبدأ الثبوت بالكتابة: تعريفه وشروطه

1995 الحاسوب والقانون

الدكتور محمد المرسي زهرة

KFAS

مبدأ الثبوت بالكتابة الحاسب الالكتروني العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

وقد عرف المشرع ، في المادة 41 إثبات كويتي " أولاً " مبدأ الثبوت بالكتابة بأنه : " كل كتابة تصدر من الخصم ويكون من شأنها ان تجعل وجود التصرف المدعى به قريب الاحتمال.

ويتضح من هذا التعريف أنه يجب أن تتوافر في مبدأ الثبوت بالكتابة – حتى يمكن الاعتداد بها – ثلاثة شروط هي :

 

1- أن يحتوي السند "كتابة"

ويُقصد بذلك "الكتابة" كأحد عناصر الدليل الكتابي الكامل والمعد للإثبات .  وتؤخذ "الكتابة" – هنا – بأوسع معانيها .  ولا يشترط أن تكون موقعة ، أو معدة للإثبات .  فأي كتابة تكفي كالخطابات والدفاتر المنزلية. 

ولا يشترط نوع معين من الكتابة. فقد تكون بخط اليد ، أو بالآلة الكاتبة ، أو أحد مخرجات الحاسب الإلكتروني .  ومن ثم ، فلا تكفي الأقوال الشفوية ، أو الوقائع التي لم تثبت كتابة .

وقد أثير التساؤل عن مدى اعتبار التسجيلات الصوتية "بداية" ثبوت  بالكتابة. يجب – بداءة – استبعاد حالة ما إذا تم التسجيل دون علم الشخص الذي يراد الاحتجاج بالتسجيل ضده .

فالتسجيل بهذه الطريقة يمثل مساساً بالحقوق الشخصية، الأمر الذي يدينه المشرع .  أما بالنسبة للتسجيلات التي تتم برضى الشخص وعلمه ، فلا يوجد – دون شك – "كتابة" باي صورة من الصور . 

 

"فالكتابة" في الإثبات يمكن رؤيتها وقراءتها ، أما التسجيلات الصوتية فتسمع فقط .  وبذلك يمكن القول بأن الكتابة كشرط في مبدأ الثبوت بالكتابة تختلف – من حيث الشكل – عن التسجيلات الصوتية .  أما من حيث الموضوع، أي الدور الذي تقوم به الكتابة ، فقد يؤدي التسجيل ذات الوظائف.  فهو، يؤدي إلى إظهار لغة المتحدث، وتحديد "هوية" صاحب الصوت. 

ولذلك ذهب البعض إلى أنه ليس هناك ما يمنع من اعتبار التسجيل الصوتي كالكتابة .  وإذا قيل بإمكانية تقليد الصوت ، فالكتابة ، هي الأخرى يمكن تزويرها أو تقليدها .

وقد توسع القانون الفرنسي فيتفسير المقصود "بالكتابة" كشرط من شروط مبدأ الثبوت بالكتابة إلى درجة اصبح معها هذا الشرط غير ذي موضوع.

 

فمن ناحية ، ذهب القضاء الفرنسي إلى حد اعتبار الشريط الممغنط "بداية" ثبوت بالكتابة،  على الرغم من عدم وجود "كتابة" بالمعنى المقصود في قانون الإثبات ، وقابلية هذه الوسيلة للتلفيق والتقليد . 

ومن ناحية أخرى، اضاف المشرع فقرة ثالثة للمادة 1347 مدني بالقانون الصادر في 9 يوليو 1975، وأصبح للقاضي – بمقتضى هذا التعديل – أن يعتبر في حكم مبدأ الثبوت بالكتابة إقرارات الخصوم لحظة مثولهم الشخصي أمامه ، رفض الإجابة على ما يوجه إليهم من استجواب والتغيب عن حضور الجلسات . 

وهكذا أصبحت الكتابة شرطاً غير ضروري لمبدأ الثبوت بالكتابة في فرنسا .  وأصبح موقف الخصوم ذاته يعامل معاملة  "الكتابة" من حيث استنتاج توافر مبدأ ثبوت بالكتابة .

 

2- صدور الكتابة عن الخصم

لا يكفي وجود "كتابة" بالمعنى السابق ، وإنما يجب ، بالإضافة إلى ذلك ، أن تصدر الكتابة عن الخصم المراد الاحتجاج بها عليه . 

ولا يتطلب ذلك ، بالضرورة ، أن يكون الخصم هو الذي كتبها بنفسه ، وإنما فقط ، يكفي إمكانية نسبتها إليه .

ويتحقق ذلك إذا كانت الكتابة بخط يده ، أو موقعة منه أو من شخص يمثله قانوناً أو صادرة عن نائبه في حدود نيابته.

بل إن الفقه والقضاء قد استقرا على أنه يمكن ، على سبيل الاستثناء ، اعتبار بعض الأوراق صادرة من الشخص ولو لم تكن موقَّعة منه أو ممن يمثله ، ولا مكتوبة بخط يده أو بخط من يمثله. 

 

مثال ذلك إقرارات الخصوم أمام القضاء التي يأمر القاضي بإثباتها .  فيكون حكمها ، حينئذ ، حكم الكتابة الصادرة منهم .

ولا يشترط أن يكون الشخص ، الذي يراد الاحتجاج في مواجهته بالكتابة ، هو الفاعل "المادي" للورقة المكتوبة سواء بكتابتها أو بتوقيعها ، وإنما يكفي أن يكون هو الفاعل "الذهني" لها intellectual ، كأن يكون هو الذي أملى جوهرها على الغير لصياغتها. 

فمن هو الفاعل الحقيقي لمخرجات الحاسب الإلكتروني ؟ وهل تعتبر صادرة من مُشغل الحاسب أم من المتعامل مع الحاسب ؟

ترجع الصعوبة ، في بعض الحالات ، إلى أن الحاسب يخضع من حيث برمجته واختباره لسيطرة الجهة التي تستعمله ، ثم ياتي دور الجمهور لتكملة الخطوات اللازمة لإتمام المعاملة المتفق عليها . وبذلك تكون بعض الإجراءات قد قام بها أحد الأطراف ، وقام الطرف الآخر بباقي الإجراءات .  وهنا يصعب تحديد "فاعل الكتابة".

 

لا صعوبة – بداهة – في الحالات التي تقوم الجهة التي تستعمل الحاسب بإتمام كافة مراحل معالجة المعلومات إلكترونياً ، لتخرج النتائج بعد ذلك على أحد مخرجات الحاسب الإلكتروني .  فالكتابة – هنا – صادرة ، دون شك ، عن الجهة التي تستغل الحاسب لحسابها .

أما في الحالات التي يشترك فيها الطرفان معا ، فيبقى تحديد مدى إمكانية "نسبة" الكتابة لأحد الطرفين . 

مثال ذلك الشريط الورقي الناتج عن عملية السحب النقدي عن طريق جهاز الصرف الآلي : حيث يقوم البنك بإعداد الجهاز للاستخدام ، وبرمجته واختباره ، وتغذيته بالبيانات اللازمة للتشغيل ، ثم ياتي دور حامل البطاقة حيث يقوم بإدخال الرقم السري وتحديد المبلغ المطلوب سحبه ؛ فإذا ما اعتبرنا مثل هذا الشريط الورقي مبدأ ثبوت بالكتابة ، فهل يُحتج به في مواجهة البنك باعتباره صادراً عنه ، أن يُحتج به – على العكس – في مواجهة حامل البطاقة باعتباره صادراً عنه هو ؟

لا شك في أن حامل البطاقة ليس هو الفاعل "المادي" للشريط الورقي ، لكن هل يُعتبر الفاعل "الذهني" له ؟ رفضت محكمة Sept الاحتجاج بالشريط الورقي المقدم من قبل الجهة المصدرة للبطاقة في مواجهة حامل البطاقة على أساس أن هذا الشريط يصدر عن آلة تخضع لمطلق إرادة من يستعملها 0الجهة المصدرة للبطاقة) . 

 

فالشريط الورقي إذن "كتابة" صادرة عن الجهة المصدرة للبطاقة لا عن حامل البطاقة .  ومن ثم يمكن الاحتجاج به ، كمبدأ ثبوت بالكتابة ، في مواجهة الجهة التي أصدرت البطاقة ، وليس في مواجهة العميل (حامل البطاقة) .

والواقع أن هذا التحليل غير دقيق ، فالمهم – كما يرى البعض –  أن "تعكس" الكتابة بصدق إرادة الشخص الذي يراد الاحتجاج بها في مواجهته .

يستوي بعد ذلك أن تصدر الكتابة عنه مباشرة أو بطريق غير مباشر .  وإذا كان من غير المعقول أن نقول بصدور الكتابة عن الحاسب الآلي ذاته ، فلا يبقى سوى القول بصدورها ممن يستعمل الحاسب.

وما يصدر عن الحاسب يفترض أنه صادر عمن يستعمله .  ومستعمل الحاسب، في المثال الذي نحن بصدده ، هو حامل البطاقة .  فاستجابة الحاسب لأمر السحب النقدي ، وتحديد المبلغ المسحوب ما هو إلا استجابة "لإرادة" حامل البطاقة ورغبته . 

 

ومن ثمن يبدو من المنطقي أن نقول بان الكتابة الموجودة على الشريط الورقي تعكس – حقيقة – إرادة حامل البطاقة . 

وإذا ادّعى حامل البطاقة وجود خطأ أو تلاعب ، كان عليه إثبات ذلك ، فالحاسب الإلكتروني يشبه هنا ، من ناحية ما ، الآلة الكاتبة .  حيث لم يكن سوى "أداة" لتنفيذ طرغبة" حامل البطاقة حسب ما يُملى عليه من تعليمات .

لكن هل معنى ذلك عدم إمكانية الاحتجاج بالشريط الورقي في مواجهة البنك باعتباره مبدأ ثبوت الكتابة ، على اساس أن الكتابة ليست صادرة منه ؟ أعتقد ان الكتابة – هنا – تعتبر صادرة عن الطرفين ومن ثم يمكن الاحتجاج بها في مواجهة أيّ منهما .  فالبنك هو الذي قام ببرمجة جهاز الصرف ، وأجرى عليه الاختبارات اللازمة ، وقام بتغذيته بالبيانات الضرورية .  ولولا كل ذلك لما استطاع حامل البطاقة القيام بعملية السحب . 

فلكل طرف دور رئيسي لا غنى عنه بالنسبة للآخر .  وما الشريط الورقي إلا "نتاج" الدورين معاً .  ولذلك يبدو صحيحاً ، في نظرنا ، القول باعتبار الكتابة صادرة عنهما .  ومن ثم يمكن لكل منهما أن يحتج بها في مواجهة الآخر باعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة .

 

3- أن ترجح الكتابة حدوث الأمر المدّعى به

ولا يكفي وجود "كتابة"، وأن تصدر هذها لكتابة عن الخصم ، بل يجب ، بالإضافة إلى ذلك ، ان تجعل الامر المدّعى به اقرب إلى الترجيح . 

فالكتابة هنا لا تثبت الواقعة المتنازع عليها بصورة قاطعة ، وإلا كانت دليلاً كاملاً ، وإنما ، فقط ، ترجح وقوعها . 

ويرجع إلى قاضي المضوع – في ضوء سلطته التقديرية – تقدير محتوى الكتابة من حيث كونها تجعل الأمر المدعى به مرجحاً أم لا .

 

فإذا ما توافرت الشروط السابقة ، ووُجد – من ثم – "بداية" ثبوت بالكتابة ، جاز للقاضي أن يأذن بإكمالها بشهادة الشهود أو القرائن ، أو اليمين الحاسمة .

أن وجود مبدأ إثبات بالكتابة لا يُعطي المدّعي الحق في الإثبات بكافة طرق الإثبات ، وإنما يكون الأمر جوازياً للمحكمة ، إن شاءت أذنت له، وإن شاءت رفضت ذلك.