العلوم الإنسانية والإجتماعية

ملامح الذكاء والأسس البيولوجية المتبعة لدى “بياجيه”

1995 مستويات النمو العقلي

الدكتور محمد مصيلحي الأنصاري

KFAS

بياجيه العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

إن السمة المميزة لأعمال جان بياجيه هي الإهتمام البالغ بموضوع الذكاء الذي كرس له معظم اعماله وكتاباته . 

لكن كيف حدد بياجيه طبيعة الذكاء؟ عندما بدأ بياجيه أبحاثه في هذا المجال قبيل عام 1920، لم يكن هناك سوى القليل من البحوث والتنظيرات المتمثلة في مدخل قياس الذكاء أو في مدخل عبرت عنه بعض التجارب المتناثرة عن العمليات العقلية ، حيث اتجه علماء النفس الإنجليز والأمريكان ، مثل سبيرمان وبيرت وثرستون وغيرهم ، إلى الكشف عن العناصر الأولية التي يتكون منها الذكاء ، معتمدين في دراساتهم على إجراء عدد كبير من الاختبارات العقلية واختبارات التحصيل الدراسي على أعداد كبيرة من الافراد.

واستخدام المعالجات الإحصائية المختلفة من معاملات الارتباط وحتى التحليل العاملي في معالجة النتائج التي وصلوا إليها ، وأسفرت دراساتهم عن الكشف عن العوامل الاولية المختلفة للتكوين العقلي المعرفي ، فخرج سبيرمان بنظريته المعروفة بنظرية العاملين ، وبيرت بنظرية العوامل الثلاثة ، وثرستون بنظرية العوامل الأولية المتعددة ، على نحو ما تزخر به كتب الذكاء التي تسير في هذا الاتجاه (غنيم، 74:126) . 

 

وأما تجارب العمليات العقلية فقد تناولت في معظمها التذكر عند الكبار ، احياناً الذاكرة الصماء ، وأحياناً أخرى الإبداع ، وما شابه ذلك من قضايا (Ginsburg & Op-per, 88, p, 12) أما بياجيه فقد سلك سبيلاً آخر يختلف كل الاختلاف في معالجته لموضوع الذكاء.

إنه عالم نفس نمائي وعالم نفس معرفي في ذات الوقت، ويؤمن إيماناً راسخاً بأن التغيرات النمائية جديرة بان تكشف من خلال دراستها عن تطور التراكيب العقلية والعمليات الوظيفية الثابتة والمتغيرة ، وأن سلوك الكبار لا يمكن فهمه بحق إلا في إطار نظرية نمائية للكائن الحي .

ولكي نتعرف على السبيل الذي سلكه بياجيه لفهم الذكاء وتحديد طبيعته ، علينا بداية أن نشير إلى تاثر بياجيه بعمله وتدريبه المبكر كبيولوجي ، والذي جعله واعياً بدرجة عالية ومتأثراً بالتفاعل بين الكائنات الحية والبيئة . 

 

لقد دفعته خبراته المبكرة هذه (وهو بالمناسبة حاصل على درجة الدكتوراة في العلوم البيولوجية عام 1918) إلى الاعتقاد بأن الأعمال البيولوجية هي أفعال تكيفية للبيئة وما تتضمنه من تنظيمات ، كما أنه اعتقد أن العقل والجسم لا يعملان ولا يؤديان ما يصدر عنهما من عمليات مستقلين عن بعضهما البعض ، وأن النشاط العقلي هو موضوع لنفس القوانين التي تحكم النشاط البيولوجي بصفة عامة . 

لقد رأى أن العمليات العقلية هي أفعال للتنظيم والتكيف مع البيئة ، ولا يعني ذلك بأي معنى من المعاني أن يرجع السلوك في جوانبه أو أسسه العقلية للوظائف البيولوجية ، ولكنه يعني أن مفاهيم النمو البيولوجي يمكن أن تكون مفيدة وصادقة ويمكن النظر من خلالها إلى النمو العقلي (Wadsworth,. 1989, p.9)

وطبقاً لبياجيه ، فإن النشاط العقلي لا ينفصل عن مجمل وظائف الكائن الحي ، وما الوظائف العقلية إلا حالة أو صيغة خاصة من النشاط البيولوجي ، وأن النشاط العقلي والنشاط البيولوجي كلاهما جزء من العمليات الكلية التي يتكيف بها الكائن الحي للبيئة وينظم من خلالها خبراته  (Piaget, 1952, pp37-42).

لقد تناول الباحثون كثيراً ، التوجه البيولوجي لبياجيه ، من جوانب عديدة ، كيف بدأ ، وكيف أثر على وجهة نظر بياجيه في الذكاء؟ وما هي أدلة وجوده؟ وغير ذلك من الاسئلة . 

 

وقد أورد (Brainerd, 1978) عدداً من ملامح هذا التوجه ، نعرض باختصار لستة منها على النحو التالي :

أ- استعار بياجيه بعض المبادئ الوصفية المعروفة جيداً في النمو البيولوجي ، وبخاصة التنظيم والتكيف ، واستعملها لوصف نمو وتطور الذكاء الإنساني.

وعلى عكس كثير من علماء النفس فإن بياجيه يعتقد أن المبادئ الوصفية البيولوجية قابلة للتطبيق مباشرة في دراسة النمو العقلي ، من جانب لأنه ينبغي علينا أن نتفهم التطور البيولوجي.

إذا كان علينا أن نفهم الذكاء لأن الذكاء حالة من حالات النمو ومن جانب آخر لأن دراسة النمو العقلي فرع من علم الأجنة بحكم الصلة الحميمة بين الذكاء والبيولوجي (Piaget 1967, 70) .

 

ب- حقيقة ثانية تعكس الأسانيد البيولوجية ، تتمثل في الأسلوب والنغمة العامة التي تسود كتابات بياجيه ، الطريقة التي يعرض بها شروحه لهذا أو ذاك من المهارات أو العمليات المعرفية ، دائماً ما تكون متأثرة بدرجة أو بأخرى بطريقة دارون أو والس في شرح اصول الأجناس.

لتصوير ذلك ، نتعرض لواحدة من أقوى معتقدات بياجيه ، وهو أن العمليات العقلية العليا عند الكبار تتطور من خلال اندماج وتماسك العمليات العقلية الأكثر أولية والتي تكون موجودة منذ الطفولة . 

بياجيه يعتقد أيضاً أن التكيف العقلي الذي يحدث خلال مسار النمو والتطور دائماً يكون ذا معنى ولا يكون أبدا نتيجة الصدفة أو المحاولة والخطأ . 

وتصوير آخر يزودنا به اعتقاد بياجيه أن النمو العقلي محكومة بمجموعات من البنى المعرفية التي تكيف نفسها متزامنة مع احتياجات البيئة وما تغيره في هذه الاحتياجات (في مقابل تصوير عملية الهضم كإحدى العمليات البيولوجية).

وحيث يرى بياجيه أن البنى المعرفية تجتاز جملة من التغيرات النوعية خلال النمو وأن البنى التي تحكم النمو العقلي للكبار هي شيء ما أكبر من مجرد زيادة أو نقصان ، إنها ترجمات متطورة للبنى التي تحكم منذ البداية ذكاء صغار الأطفال .

 

ج- العلامة الثالثة التي لا تخطئها العين على التوجه البيولوجي لبياجيه تتمثل في تأكيده القوي لدور الأطفال في تحديد مسار نموهم العقلي الخاص ، وبلغه مراجع علم النفس يعتقد بياجيه أنه ينبغي النظر إلى الطفل ذاته على أنه متغير مستقل عند النظر في أمره نموه الخاص . 

وهذه طريقة أخرى للقول بأن الأطفال يبذلون جهداً مساوياً أو يمارسون ما يؤثر لضبط نموهم مثلما تفعل العوامل الأخرى في بيئاتهم (الآباء ، المدرسون ، المسجد ، الإعلام وغيرها) . 

ولننظر مثلاً في مدخل نظريات التعلم التي تتعامل مع الأطفال مبدئياً على أنهم متغيرات تابعة ، ومع التدعيمات المتعاقبة في البيئة على أنها عوامل مسببة ، وهذا معناه ، انه لا ينسب للأطفال أي دور حاسم في تحديد نموهم ، وبهذا الشكل يصبح النمو العقلي مرادفاً للخبرات المتراكمة.

وعلى النقيض ، فإن بياجيه يعتقد أن الطفل قادر على تغيير القوى في بيئته وفي نفس الوقت التغير وفقاً لها ، وبناء عليه ، فإن الأطفال وبيئاتهم هي أجزاء ضرورية في تكوين وجهة نظري بياجيه ، بينما البيئة فقط هي الشيء الضروري في مدخل نظريات التعلم التقليدي .

 

د- اهتم بياجيه وبشكل شامل تقريباً بالنمو العقلي كما هو في وضعه الراهن وقت دراسته ، حيث قدم تأكيداً قوياً على النمو الطبيعي ، ومال لإبداء نظرة ارتياب وعدم ارتياح لتجارب التدريب وللصيغ الاخرى للبحوث المتداولة لدى علماء النفس في الولايات المتحدة الأمريكية وبالذات في دراستهم للذكاء.

 فقد اعتقد بياجيه أن مثل هذه البحوث ليست ذات فائدة تذكر ، لأنها تفتت وتصطنع تمزيقاً للنمو العقلي الطبيعي ، وبالتالي فإنها قد تنتج صوراً مزيفة وفاسدة لهذا لنمو . 

وفي مقابلة متأخرة معه (Piaget, 1970) أبدى بياجيه بغض النمخاوف من النتائج المترتبة على البحوث المتداولة بالنسبة للاطفال الذين يستخدمون كموضوعات لهذه التجارب ، وهو يرى أننا – وربما للآن – لا نعلم ما يكفي عن التفاصيل الدقيقة للنمو العقلي التلقائي لكي نصدر قرارات متعلقة حول نتائج هذه البحوث ، وهذا ما قاده إلى القول بأن علماء النفس ينبغي عليهم أن يكونوا أكثر استعداداً لأن يتركوا الطبيعة تأخذ مجراها .

 

هـ- مثال خامس على توجه بياجيه البيولوجي يتمثل في اعتقاده أن النمو العقلي يتخذ اتجاهاً من البسيط  إلى الأكثر تركيباً في مستويات الوظائف .  

إن الافتراض بأن النمو العقلي عملية ذات اتجاه جوهري حقيقي يضفي جواً من الغرضية أو لغائبة على علم نفس الطفل لدى بياجيه ، وهو أمر وان كان مألوفاً في النظريات البيولوجية ، إلا أنه نادر عموماً في علم النفس الحديث . 

الاتجاه الخاص بالتغير من البسيط إلى المركب الذي يعزوه بياجيه إلى النمو العقلي قد اصبح جزءاً من تفكير ثوري منذ دارون .  وهذا الافتراض البياجي يوفر لنا إجابة على سؤال ما الذي يدفع بالنمو العقلي؟ ففي حين يجيب علماء النفس من ذوي التوجه التعلمي على هذا السؤال بالبحث عن مصادر التدعيمات المتعاقبة في البيئة.

فإن بياجيه يدعى بان  النمو العقلي يحمل في طياته دافعيته الذاتية الملازمة له لأنه له اتجاهه الخاص ، وفي كلمات أخرى يقول بياجيه : "ليس علينا أن نتلفت حولنا بحثنا عن الدافعية في بيئتنا لأنها موجودة لدى الطفل، وهو لا يبدأ إلا بها".

 

و- النقطة الأخيرة في منظور بياجيه البيولوجي تتمثل في اعتقاده في التوحد بين الموم العقلي والنضج العضوي ، هذه النظرة بكافة محدداتها كانت واضحة تماماً في دراسات بياجيه الأولى عن الطفولة .

في الفترة من 1925-1929، ففيها كان مدفوعاً بالفرض القائل بأن فهم النمو العقلي قد يكون موجوداً في المبادئ التي تحكم النضج العضوي رغم ما لوحظ من أن بياجيه كان يطلق صفة "عضوى" على سلوكيات اقرب ما تكون إلى الجانب العقلي ، وإنه لمن الإنصاف القول بأن بياجيه يرى أن النمو العقلي خاصة في الطفولة مرتبط بالتغيرات العضوية.

ولا حاجة بنا إلى القول بأن ذلك لم يكن له تأثير في وجهة النظر التقليدية لأصحاب نظرية التعلم ، حيث يرون أن النضج العضوي لا يضع سوى بعض من المحددات الواسعة (الأرضية والسقف) ومن خلالها يكون للبيئة التاثير واليد الطولى . 

وبعد هذا الاستعراض المختصر لبعض ملامح التوجه البيولوجي عند بياجيه ، هل نستطيع التوصل إلى آثار هذا التوجه على وجهة نظر بياجهي في الذكاء ، إن ذلك يبدو واضحاً فيما صدر عن بياجيه من تعريفات للذكاء يعد بحوثه المتواصلة للكشف عما يكون الذكاء فعلياً – رغم حرصه الشديد على ألا يسقط في فخ الاوصاف الضيقة للذكاء .

 

من هذه التعريفات نجد :

أ- الذكاء حالة خاصة من التكيف البيولوجي" (Piaget, 1952, pp3-4)، وهذه العبارة توضح أ ، الذكاء الإنساني هو نوع من أنواع المنجزات البيولوجية التي تسمح للفرد بان يتفاعل بنجاح مع البيئة على مستوى نفسي .

 ب- " الذكاء هو حالة من الاتزانية التي تتوجه نحوها التكيفات المتتابعة والتغيرات بين البيئة والفرد" (Piaget, 1950, p,6) ومصطلح الاتزانية مقتبس من الفيزياء ، ويشير إلى توازن ، تكيف وانسجام بين عاملين على الأقل ، وهما في هذه الحالة ، البنى المعرفية للفرد في مقابل التغيرات البيئية . 

ورغم أن هذا الاتزان قد يختل إلا أن الفرد يستطيع أن يؤدي من السلوكيات ما يحافظ على هذه الاتزانية ، والذكاء هو الوسيلة او الأداة التي تمكن الفرد من تحقيق هذه الاتزانية.

وهكذا فإنه بالنسبة لبياجيه ، فإنه لا يوجد ذكاء واحد نهائي ، بل هنك تتابع لمراحل من الذكاء وهدف بياجيه هو أن يكشف وأن يحدد الاكتساب التدريجي للبنى التي تسمح بتفاعلات متزايدة النجح مع البيئة ج- "الذكاء هو نظام من العمليات العقلية التي تتميز بالحيوية والنشاط" (Piaget, 1950, p.7) بياجيه مهتم بالنشاط العقلي الذي يتفاعل الفرد من خلاله مع البيئة ، وهو يعتقد أن المعرفة لا تمنح لملاحظ سلبي ، بل إن المعرفة ينبغي أن تكتشف وأن تبنى بواسطة نشاط الطفل ، وبالنسبة لبياجيه فإن الذكاء لا يشير بالضرورة إلى النشاطات المعتادة للطفل ، لكن لأحسن ما يمكن أن يقوم به الطفل ، من بين أنشطته المعتادة .

 

من هذه التعريفات الثلاثة ، وهي مجرد امثلة ، يتضح أن الذكاء عند بياجيه يتضمن عدداً من المعاني ، التكيف البيولوجي ، الاتزانية بين الفرد والبيئة ، التطور التدريجي ، النشاط العقلي والكفاءة في ممارسة هذا النشاط.

كما يتضح لنا أن بياجيه قد اختار إحدى استراتيجيات البحث في سيكلوجية الذكاء متخلياً عن الفروق الفردية ، ومركزاً على الدرجة القصوى من الاهتمام بتوظيف الذكاء ، والحقيقة أننا إذا أردنا أن نتعرف وبعمق أكثر على مفهوم بياجيه للذكاء فإنه لا ينبغي أن نقتصر على تعريفات ، بل على طبيعة النشاطات البحثية التي اهتم بها بياجيه ، خاصة في سنواته الأخيرة.

 

حيث تكشف هذه الاهتمامات عن توجهات معرفية وعلمية متفردة .  ويعلق (Ginsburg & Opper, 1988, p. 16) على تعريفات بياجيه للذكاء بأن بياجيه قد شكل مدخله لسيكلوجية الذكاء من خلال اهتمامية الرئيسيين البيولوجي والمعرفي ، حيث أسفر اهتمامه البيولوجي عن تعريفه للذكاء من خلال مصطلحات عامة عن النمو مثل ، المراحل ، التكيفن الاتزانية ، المحتوى ، البنية والوظيفة.

كما أسفر اهتمامه المعرفي عن تعريفه للذكاء عما توصل إليه من خلال بحوثه التجريبية حول فهم الطفل للتصنيف والتسلسل والعدد والفراغ والزمن وغيرها ، وهذا ما نعرض له من خلال تقديم المفاهيم الاساسية في نظرية بياجية .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق