الطب

العوامل النفسية المسببة لمرض “فقدان الشهية العصبي”

1997 فقدان الشهية العصبي

الدكتور أحمد محمد عبدالخالق

KFAS

العوامل النفسية المسببة لمرض فقدان الشهية العصبي الطب

من المعتقد أن مرضى فقدان الشهية العصبي يعانون من إعاقة وتأخر في نموهم النفسي، وليس هناك اتفاق بعد على طبيعة هذا الخلل في النمو ونوعيته.

وقد لوحظ لدى عديد من هذه الحالات فشل في التطور من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة.

ويفترض بعض الباحثين حديثاً  أن اضطراباً نفسياً معيناً يكمن وراء فقدان الشهية العصبي لدى صغار النساء، مثل الصراع الذي يحيط انتقال البنت إلى امرأة.

وركزت النظريات العلمية النفسية المتصلة بأسباب فقدان الشهية العصبي – في المقام الأول- على المخاوف المرضية Phobia، والتكوينات النفسية الدينامية. فقد افترض أحد الباحثين أن فقدان الشهية العصبي يمثل استجابة خوف شاذ للطعام تجنب له (أي خوف مرضي من الطعام، وفي الوقت نفسه تجنب له وابتعاد عنه).

 

وافترض هذا الباحث أيضاً أن هذه الاستجابة الشاذة تنتج عن التوترات الجنسية والاجتماعية التي تولدها التغيرات العضوية المرتبطة بالبلوغ. ويؤدي سوء التغذية الناتج عن هذه الحالة إلى خفض الاهتمامات الجنسية أو إلغائها، ويفضي ذلك – بدوره – إلى درجة أكبر من تجويع الذات.

ويرى "كوفيل" وزملاؤه  أن مريض فقدان الشهية العصبي يزهد في الطعام نتيجة لاضطراب انفعالي. وترجع العلاقة بين الأكل والانفعال – إلى حد كبير – إلى التاريخ السابق للفرد.

ومن العوامل السيكولوجية التي نجدها في الحالات المختلفة لهذا الاضطراب، المقاومة العدوانية لمطالب الوالدين، وعقاب الذات نتيجة الشعور بالذنب.

 

وتكشف التفسيرات السيكولوجية لمرض فقدان الشهية العصبي عن وجود عدد من التخيلات Fantasies المتصلة بالجنس والأكل والوزن، مع أفكار عن التلقيح أو الإخصاب عن طريق الفم، كما يشيع بذل جهد يائس للحفاظ على مظهر النمو الناضج لدى الأنثى (35).

وتنكر المرضية – من خلال التجويع – رغبتها في أن تكون حاملاً، فترفض هذه الرغبة عن طريق رفض الطعام ثم فقد الشهية.

ولكن هذه التفسيرات التي تعتمد على نظرية التحليل النفسي لا تجد لها دليلاً واقعياً يؤيدها، ويمكن توجيه جوانب نقد كثيرة لها، أبسطها أنها تفسر فقدان الشهية العصبي عند المرأة فقط، ولا تنسحب هذه التفسيرات على الرجل، أما الفكرة الغريبة: الإخصاب عن طريق الفم، فليس هناك مسوغ كاف لإثباتها.

وليس أكثر سخفاً من التفسير الذي نقدناه في التو، من التفسير الذي تضمنته نظريات دينامية أخرى، من أن مريضة فقدان الشهية العصبي مندمجة في علاقة إغواء أو إغراء مع الوالد، وهي علاقة اتكالية اعتمادية، ولكن هذا الولد سلبي ويختلط ذلك مع شعور بالذنب من العدوان على الأم التي ينظر إليها الطفل نظرة ثنائية العواطف Ambivalence متناقضة الوجدان (بالحب والكراهية معاً).

 

ومن أشهر الباحثات في بحوث فقدان الشهية العصبي، المحللة النفسية "هيلدا"

"هيلدا بروش" رائدة في دراسة اضطرابات الأكل وعلاجها. ووضعت نظرية دينامية نفسية ومعرفية لتفسيرها. وافترضت أن التفاعل المضطرب بين الأم وطفلها يؤدي إلى نقص خطير في أن الطفل (ويتضمن إحساساً ضعيفاً بالتلقائية والتحكم) وإلى اضطراب إدراكي معرفي خطير ينجم عنه أنماط مضطربة في الأكل.

بروش" H. Bruch، (انظر شكل 8)، التي عملت في مجال اضطرابات الأكل قرابة نصف قرن بحثاً وعلاجاً. وقد وصفت حالات فقدان الشهية العصبي بأنها تعاني من شعور بعدم الكفاءة، والوعي الباطني الخاطئ، واضطراب صورة الجسم، كما ربطت بين هذه الأعراض وخبرات الطفولة المكبرة.

وافترضت أيضاً وجود نقص في الاستجابات المناسبة من قبل الأم دائماً، كأن تطعم الأم طفلها حتى تجعله في المقام الأول هادئاً أو لتدفعه إلى النوم، ولذلك فإن الطفل لا يستطيع أن يتعلم كيف يميز بين حاجاته الخاصة وتلك الحاجات التي يفرضها عليه الآخرون.

وكلما ازداد عمر الطفل تحدث لديه مشاعر الكفاءة والفاعلية والسيطرة أو الضبعة عن طريق رفض المطالب والحاجات التي تفرضها عليه شهيته الشخصية، فيصبح نحيلاً هزيلاً، مع وجود بعض الاتجاهات المحددة كالاعتقاد في سمو التقشف أو التنسك ورقيه، على انغماس الفرد في شهواته، أو إطلاق المرء العنان لرغباته وأهوائه، مع التأكيد على الكمال والرغبة فيه على أنه هدف يمكن الوصول إليه وتحقيقه، وأن زيادة الوزن تعني أن الفرد سيء أو شرير أو لا يستطيع السيطرة على نزعاته.

 

كما تعد "بروش" إحدى الكاتبات الأوليات اللاتي افترضن أن اضطراب صورة الجسم له أهمية مركزية في اضطراب فقدان الشهية العصبي، فقد افترضت أن المرضى يدخلون في معركة من أجل السيطرة على الوزن، من أجل شعور بالذاتية والفاعلية، مع هدف قاس لا يلين، لتحقيق القوام النحيل الرفيع بوصفه خطوة نهائية في هذا السعي. كما افترضت أن هناك ثلاثة عوامل ممهدة هي:

– مشكلات غذائية في الحياة المبكرة.

– الآباء والأمهات المنشغلات بالطعام.

– العلاقات الأسرية التي تترك الطفل دون شعور بالذاتية أو الهوية.

وافترضت "بروش" أن كثيراً من النساء اللاتي أصبحن بعد العصور الوسطى شهيرات بتجويع أنفسهن كانوا يعانون من شلل هستيري شامل، بحيث يكون للطعام قيمة رمزية كبيرة.

 

كما افترضت أن لدى هؤلاء المرضى بفقدان الشهية العصبي نقص إدراكي مكتسب Acquired perceptual defect، يتضح في عدم القدرة على التعرف إلى علامات الجوع.

وفي وقت أحدث أعادت "بروش" تقديم نظريتها على ضوء ثلاثة ملامح عند مريض فقدان الشهية العصبي، بوصف هذا المرض تعبيراً عن نقص في مفهوم الذات، والخوف من الخواء أو السوء الداخلي، حيث إن هناك شيئاً ما يود المريض أن يخفيه ويغطي عليه في كل الأحوال، ويؤدي ذلك بالمريض إلى أن يقوم بتزييف سلوكه إلى الأحسن.

وقد طورت الباحثة "سلفيني بالازولي" Palazzoli نظرية مشابهة فسرت بها نشأة اضطراب فقدان الشهية العصبي، وتركز هذه النظرية على عجز الذات أو الأنا، فإن مريض فقدان الشهية العصبي لا يدرك جسمه على أنه ينتمي إليه، بل على أنه تهديد له، وعلى أن شيئاً ما يجب التحكم فيه والسيطرة عليه.

وتفترض هذه الباحثة أن مريض فقدان الشهية يجرب جسمه ويتعامل معه بوصفه موضوعاً متصلاً بالأم، بحيث يجب أن تنفصل عنه الأنا أو الذات، ومن ثم فإنها تدمج الأم بوصفها موضوعاً يرهبه الطفل في محالوة التحكم فيها والسيطرة عليها.

 

ومن الأمور الأساسية في هذه النظرية شخصية الأم التي تثيب البنت على طاعتها لرغباتها، كما أن هذه الأم تحمي ابنتها حماية زائدة، ولا تستطيع تحمل جهود هذه الطفلة للانفصال عنها (المرجع والموضع نفس).

أما "جيست" Geist فقد اتبع منظوراً معتمداً على سيكولوجية الذات مفترضاً أن أم الطفل الذي يعاني من اضطراب فقد الشهية، على الرغم من أنها تسمح لابنتها بالتوحد Identification بها تعد غير قادرة على أن تعكس أية أفكار أو مشاعر مختلفة عنها. ويؤدي ذلك إلى تبعية أنا الطفل لأمه، فيعد هذا الأنا أو الذات امتداداً نرجسياً للأم. وفي الوقت نفسه تتحول نحو الأب لكي تعكس خصاله وتتعاطف معه، وتشاركه فيما نقص من علاقة مع الأم.

ويعتقد "جيست" أن هذه الرابطة بين الأب والبنت يتهددها النضج الجنسي لدى الابنة، والذي يفسر جزئياً بداية اضطراب فقدان الشهية العصبي في مرحلة المراهقة (المرجع والموضع نفسه).

وبصرف النظر عن هذه التفسيرات التي لم تحظ باتفاق بين الباحثين منذ البداية، فمن الممكن تفسير بداية اضطراب فقدان الشهية العصبي في مرحلة المراهقة لدى الفتيات بوجه خاص، إما على أنه نتيجة لأزمة تطورية ارتقائية، أو على أنه بداية اهتمام الفتاة بمظهرها وشكلها العام وأبعاد جسمها بعد وصولها إلى البلوغ والنضج الجنسي، ويتفاعل ذلك مع رغبتها في أن تكون جذابة مرغوبة.

 

والملاحظ أن من بين مظاهر الجاذبية – في هذه الحضارة التي نعيشها ونحن على أعتاب القرن الحادي والعشرين – فإن الرشاقة والنحافة تتخذان مكان الصدارة.

كما يلاحظ أيضاً أن مثلاً أعلى لأبعاد الجسم يمكن أن يشيع بشكل أوسع في ثقافة فرعية معينة كمجتمع طلاب المدارس الثانوية أو طالبات الجامعة مثلاً، ولا شك أن هذا المثل الأعلى الآن متصل بالنحافة والرشاقة.

وتصف النظريات التحليلية النفسية أو النفسية الدينامية التي سبق ذكرها (المرجع والموضع نفسه) اضطراب فقدان الشهية العصبي على أنه فشل في الانفصال والاستقلال والتفرد، وعدم نجاح الفرد في اكتساب شعور التلقائية والذاتية.

ولكن هذه النظريات نقدت من عدة نواح أهمها: أن التميز الذي يحدد الاستقلالية والذاتية على أنه هدف التطور في الحضارة الحالية لا ينسحب على التطور السوي لدى الفتيات، مع أنه يمكن أن ينطبق على الأولاد، حيث إن تطور الهوية والذاتية الشخصية لديهم ناتج عن زيادة الانفصال عن ذويهم بما يكسبهم التلقائية والذاتية الخاصة بهم، وهو ما لا ينسحب على البنات.

 

إن الشخصية السوية لدى البنات تتطور – بشكل طبيعي – من خلال الاتصاق بالآخرين والارتباط بهم، فإن أحد التحديات الأساسية لدى الفتاة المراهقة أنها لا بد أن تثبت جدارتها وأهليتها من خلال العلاقات بين الأفراد.

ويترتب على ذلك أن أية قيمة سلبية أو إيجابية يمكن أن تضعها أية حضارة معينة على العلاقات بين الأفراد يمكن أن تؤثر على شعورها بالجدارة والأهلية الفردية (المرجع نفسه).

وقد حدث تغير في العشرين سنة الماضية في قيم المجتمع الأمريكي المتعلقة بالمرأة، مما أدى إلى التقليل من أهمية العلاقات لصالح التلقائية والاستقلال.

وبالطريقة نفسها فإن الفتاة المراهقة يجب أن تصارع لتتقبل التحديات التي تواجه جسمها في حضارة تشجعها على أن تحاول تغيير جسمها حتى تتناسب مع نموذج ومثال للجمال محدد بشكل ضيق ودقيق، ويركز هذا المثال على الرشاقة والنحافة.

 

ويفترض "كرسب" أنه في حين أن فقدان الشهية – على أحد المستويات – "خوف مرضي من الوزن" Weight phobia، يرتبط به خوف من التطور السوي في المراهقة، فلا تقبل المريضة التغيرات التاليةف ي شكل الجسم والحيض، وتخاف من الوزن الطبيعي للجسم، ويعد فقدان الشهية العصبي هنا نكوصاً Regression إلى الطفولة، وهروباً من المشكلات الانفعالية للمراهقة. فيأتي فقدان الشهية هنا ليمد المريضة بشعور بالراحة من أزمة في النضج، تحدث لدى مريض غير معد ولا مهيأ ليكون الراشد الكفء.

كما وصف باحثون آخرون اضطراباً في صورة الجسم Body image لدى هؤلاء المرضى (إنكار لنحولهم وهزالهم)، أو اضطراباً في إدراك الذات Self – perception (نقص في الاعتراف أو إنكار لكل من التعب والضعف والجوع). كما افترض آخرون وجود شعور بعدم الكفاءة، والذي يتسبب عن خبرات متعلمة خاطئة أو زائفة.

وكثيراً ما يقال – على ضوء البحوث الغربية – إن عدم النضج النفسي الجنسي خاصية مميزة لمرضى فقدان الشهية العصبي.

 

وفي دراسة على الاتجاهات الجنسية المعرفة بالجنس لدى إحدى وثلاثين أنثى يعانين من اضطراب فقدان الشهية، ممن تراوحت أعمارهن بين 15 – 33 عاماً، ظهر أن عدداً كبيراً منهن كن قلقات فيما يتصل بالجنس أو لم يتلقين معلومات كافية عن الأمور الجنسية، ولكن بقية المجموعة (العدد الأقل) كانت تبدو سويات أو قريبات من السواء من هذه الناحية.

إلا أن هذه النتائج يصعب تقييمها نظراً لعدم وجود مجموعة ضابطة، ولكن المشكلات النفسية الجنسية لم يبد أنها خاصية مميزة للمجموعة ككل.

ومن ناحية أخرى، فقد أشارت البحوث الواقعية الإكلينيكية والسيكومترية بقوة، أن مريض فقدان الشهية العصبي يتسم بسمات عدة منها: عدم الأمان الاجتماعي، والاتكالية الزائدة، والطاعة والرضوخ، وتلقائية التعبير المحدودة، والنقص النسبي للاستقلال الذي يوجهه الشخص بنفسه.

وتعكس هذه السمات علامات اضطراب مبكر في شخصية المريض قبل إصابته بهذا المرض، وأن هذه السمات تهيء الفرد فيما بعد للإصابة بالمرض. على حين أن ظواهر مثل: الانطواء والوسواسية والاكتئاب تعد أرجاعاً تنقلية Transient أكثر، تنتج عن سوء التغذية واختلال وظائف أخرى عند المريض.

 

تفاعل العوامل

وأخيراً فليس من السهل – في واقع الأمر – أن نفسر اضطراباً معقداً مثل فقدان الشهية العصبي على أساس من عامل واحد في عزلة عن بقية العوامل.

والحقيقة الشاملة غالباً جماع الحقائق الفرعية، ومعنى ذلك أنه من الممكن تفسير اضطراب فقدان الشهية العصبي (أي بيان أسبابه) على أساس تفاعل كل من العوامل الوراثية والاجتماعية والنفسية، وما تلك إلا النماذج متعددة الأبعاد.

ويطلق بعض المؤلفين  على هذه الحقبة في بحوث فقدان الشهية العصبي، الحقبة الجسمية النفسية الاجتماعية Biopsychosocial era.

*        *        *

وبعد عرض العوامل المتعددة بوصفها أسباباً لفقدان الشهية العصبي فمن الأهمية بمكان أن نحدد طرق علاجه، وهذا هو موضوع الفصل التالي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق