الطب

علاقة مرض فقدان الشهية العصبي بـ”الاكتئاب”

1997 فقدان الشهية العصبي

الدكتور أحمد محمد عبدالخالق

KFAS

الاكتئاب مرض فقدان الشهية العصبي الطب

يشير الاكتئاب Depression إلى مزاج بائس يائس أو منهبط حزين، والذي يعد جزءاً من خبرة الفرد الإنسانية العامة. والمزاج المنهبط بوصفه عرضاً يمكن أن يحدث دون مسببات، أو قد يكون استجابة لفقد عزيز أو نتيجة خسارة أو فشل أو خيبة أمل.

وقد يكون (وقد لا يكون) جزءاً من زملة Syndrome (أي مجموعة أكبر من الأعراض) تضم جوانب أكثر تعقيداً من مجرد المزاج المنهبط، فهو مزاج منهبط يختلط بعدد من الأعراض التي تحدث معاً بصورة منتظمة.

ويتضمن تغيرات وجدانية ومعرفية ودافعية، هذا فضلاً عن اضطرابات متصلة بوظائف النمو والتغذية والجوانب النفسية الحركية.

وقد يكون الاكتئاب أولياً أو ثانوياً، فأما الأولى فإنه يحدث بوصفه زملة (أي تجمعاً للأعراض) تعد مشكلة في حد ذاتها.

أما الاكتئاب الثانوي فإنه يحدث بوصفه مشكلة ثانوية أي مترتبة على عدد من الاضطرابات الجسمية أو العقلية الأخرى كالإدمان والفصام والتهاب المفاصل الروماتيزمي… وغير ذلك.

 

ويعد الاكتئاب – كما أوضحنا سلفاً – من بين الأعراض الشائعة في فقدان الشهية العصبي، وقد يؤدي إلى محاولات الانتحار، والتي قد تنجح في عدد من الحالات. وقد اعتبر بعض الباحثين أن الاكتئاب من الأعراض التي تندرج تحت فقدان الشهية العصبي.

ومن ناحية أخرى فإن الاكتئاب الشديد يمكن أن يؤدي إلى فقد سريع وشامل للوزن، فيعترف المريض عادة أن لديه فقداً كاملاً للشهية وعدم اهتمام بالأكل.

وقد يتسم المريض في هذه الفئة بالتأخر الشديد والانسحاب حتى لا يستهلك الطعام، وقد يصف هذاءات عدمية Nihilistic متصلة بجسمه، والتي تعوق الأكل وتمنعه، مثال ذلك قوله: إن حنجرته مغلقة معاقة تماماً، وأن أمعاءه تالفة متعفنة… وهكذا دواليك.

 

وتعتمد العلاقة بين مرض فقدان الشهية العصبية والاضطراب الوجداني Affectiv disorder (وبخاصة الاكتئاب) على الحقائق الآتية:

1- كثير من مرضى فقدان الشهية يكشفون عن أعراض اكتئابية.

2-  كثير من مرضى فقدان الشهية يظهرون أعراضاً كتئابية عند تتبع حالاتهم.

3- يحدث الاكتئاب بتكرار أكبر من المتوقع في أعضاء أسرة مريض فقدان الشهية العصبي وبخاصة الأم.

4- كثير من مرضى فقدان الشهية العصبي يستجيبون للعقارات المضادة للاكتئاب.

5- هناك ملامح كثيرة مشتركة بين مرضى فقدان الشهية العصبي والاكتئاب، مثل: اضطراب النوم، وفقد الوزن، وتناقص الدافع الجنسي، وتوقف الحيض لدى الإناث، والاضطراب المعرفي، وانخفاض تقدير الذات.

 

ومع ذلك فقد لاحظ «سو» Hsu أن مرض فقدان الشهية العصبي لا يتحول إلى اكتئاب، كما أورد أن أكثر التشخيصات شيوعاً، والخاصة بمرضى فقدان الشهية الذين شفوا هي زيادة الشهية العصبي وليس الاكتئاب.

وأسفرت دراسات أخرى عن نتيجة مهمة مؤداها أنه من السابق لأوانه أن نعد مرض فقدان الشهية العصبي نوعاً مختلفاً من الاكتئاب.

وقد صمم «آرون بيك» Beck مقياسه الشهير للاكتئاب الذي يضم واحداً وعشرين بنداً أو فقرة، ويمثل كل بند عرضاً واحداً (بدرجات متزايدة) مثل: الحزن، الفشل، عدم الرضا، الشعور بالذنب، البكاء، الرغبة في الانتحار، نقص الوزن… وغير ذلك.

ومن بين هذه الأعراض أيضاً بند متقل بالشهية، يقيسها بشكل متدرج من أول وجودها عادية ثم تناقصها حتى فقدانها تماماً تقريباً. ويبين ذلك جدول (5).

ويطلب من الفرد – قبل الإجابة عن البند الوارد في جدول (5) – أن يقرأ هذه العبارات الأربع جميعها بإمعان، ثم يحدد العبارة التي تنطبق عليه أكثر من غيرها، ويضع دائرة حول الرقم الخاص بها، ويعني «صفر» عدم وجود مشكلة بخصوص الشهية، وتشير الدرجات 1، 2، 3 إلى فقدان الشهية العصبي بدرجات تتزايد تصاعدياً.

 

وقد حاول عدد من الباحثين أن يربطوا بين فقدان الشهية العصبي ومرض الاكتئاب/ الهوس، فربطوا بين تذبذب بعض المرضى بين الإفراط في الطعام والابتهاج، وبين إنقاص كمية الطعام والاكتئاب. وقابلوا بين هذا التذبذب وتأرجح المزاج لدى مريض الاكتئاب الهوسي.

وأشار أحد الباحثين إلى حالة الفتاة التي تعرضت مرات متكررة لفقدان الشهية العصبي بين 18 – 32 عاماً، وفي عمر 28 عاماً حيث ظهر لديها الهوس مع بدايات الكتئاب. وعندما كان عمرها 34 عاماً، تم إيداعها في المستشفى.

وفي الواقع يصاحب فقدان الشهية العصبي مرض الاكتئاب الهوسي. ولكن في هذه الحالة الأخيرة وأمثالها يجب ألا تشخص حالة المريض على أنها فقدان شهية عصبي.

وأسفرت إحدى الدراسات الحديثة، والتي أجريت عام 1989، عن ارتباط فقدان الشهية ارتباطاً إيجابياً بالاكتئاب، كما أثبت باحثون آخرون في دراستهم عام 1990 تعرض مرضى فقدان الشهية العصبي لنوبات الاكتئاب المتكررة، وفضلاً عن ذلك فمن بين أهم الأعراض المتكررة في الاكتئاب المقنَّع أو المستتر Masked depression مرض فقدان الشهية العصبي.

 

ويعرف الاكتئاب المستتر بأنه حالة تحدث فيها أعراض نفسية جسمية بشكل دوري على فترات، مع ارتباط هذه الأعراض (بدرجة معينة) بالمزاج المكتئب.

ويمكن أن تكون بعض أشكال فقدان الشهية العصبي حالات اكتئاب بينية تحوي على الحدود. ومع ذلك فإن بعض الدراسات الحديثة بينت بأن المرضين مختلفان.

وقد دلت بحوث عربية (4) على عينة مصرية من طالبات جامعة الإسكندرية أن الارتباط الجوهري إحصائياً (قدره: 0.434) بين فقدان الشهية العصبي والاكتئاب. وليس هذا فحسب بل إن أعلى ارتباط استُخرج في هذه الدراسة كان بين فقدان الشهية والاكتئاب، وهذا الارتباط أعلى من نظيره في كل من القلق والوسواس.

أجمعت الدراسات المتعددة إذن على العلاقة الوثيقة بين فقدان الشهية العصبي والاكتئاب، ومعنى ذلك أن مرضى فقدان الشهية العصبي يعانون من الاكتئاب، ويمكن أن يصابوا –بسهولة- به، كما أن فقدان الشهية العصبية من بين الأعراض الأساسية في الاكتئاب.

 

وليس من السهل في مثل هذه الحالة –ومن الناحية العلمية- أن نجيب عن السؤال المهم: هل الاكتئاب سبب فقدان الشهية العصبي أم أن فقدان الشهية العصبي سبب الاكتئاب؟ فإن الارتباط بينهما لا يعني العلية (السببية)؛ Causality أي أن أحدهما ليس سبباً للآخر.

ولكن هذا الارتباط يعني – على الأقل في هذه الحالة – أن هناك تغيراً مصاحباً Covariation بين الاكتئاب وفقدان الشهية، إذا زاد أحدهما زاد الآخر، وإذا نقص الأول نقص الثاني وهكذا… ولكننا لا نستطيع أن نستنتج أكثر من ذلك في دراسات الارتباط.

والأغلب أن يكون وراء كل من الاكتئاب وفقدان الشهية العصبي مكون أحادي متسق، أو أن يكون كلاهما نابعاً عن سبب واحد، قد يكون عاملاً وراثياً مهيئا، يتفاعل مع ظروف اجتماعية بيئية محددة، وتميل البحوث الحديثة إلى تأكيد ذلك. وعلى كل حال، فالمسألة في حاجة إلى دراسة علمية مفصلة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق