التاريخ

الأسس التي قام عليها علم الكيمياء عند العرب

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

علم الكيمياء عند العرب التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

والمطَّلع على هذه الكتب بإمكانه إدراك أن الكيمياء قامت كعلم عند العرب على أسسٍ معينة،  نلخصها فيما يلي :

1-الاعتقاد بنظرية أرسطو في تكوين المادة. فالهيولي هي المادة الأساسية في جميع الكائنات. ولكنها لا توجد منفردة مستقلة، ويلزم أن تتحد أولا بالهيئة الجثمانية فتصبح جسماً وهمياً، ثم بالهيئة الذاتية فتصبح جسماً معيَّنا. وأبسط الهيئات الذاتية ما ينتج من اتحاده مع الجسم الوهمي عناصر الماء والهواء والنار والتراب. وتتركب جميع الكائنات الأخرى من هذه العناصر بنسبٍ مختلفة، ولكن المادة الأوَّلية فيها واحدة .

 

2- إذا اتحد الجسم الوهمي بالهيئة الذاتية المعدنية نتجت عنه الفلزات التي تعتبر، والحالة هذه، كيفياتٍ مختلفةٍ من نوع واحد. والذهب هو أنقاها وأظهرها وأكملها، أما الفلزات الأخرى فقد أصابتها أعراض معينة باعدت بينها وبين الذهب، وإذا أُزيلت هذه الأعراض صار الفلز ذهباً ! .

3-العامل الذي يزيل الصفات العارضة عن الفلزات الرخيصة هو الإكسير . ويلزم استخدام إكسيرين، أحدهما للبياض والثاني للحمرة، الاول يحيل المعدن فضة، والثاني إذا ألقي على الفضة استحالت ذهباً

 

4-لما كان مذهب العرب في تركيب المادة يؤدي إلى نتيجة منطقية وهي إمكان تحويل المعادن إلى ذهب، فقد انحصرت جهودهم أولاً في تجهيز الإكسير، ومن ثم اتجهت بحوثهم نحو هذه الناحية حتى سُميِّت الكيمياء "علم تدبير الذهب"، وأصبح الغرض منها مادياً صرفاً يرمي إلى جمع الثروة.

ولكن كان للتجارب التي قام بها كيميائيو العرب توصلاً لغرضهم هذا اثر علمي جليل، إذ تمكنوا من كشف خواص الفلزات وصفاتها مع طائفة كبيرة من الأملاح والمركبات الكيميائية الأخرى. وعرفوا طرق تحضيرها وتنقيتها وتأثير الحرارة فيها. فمن التجارب التي استعانوا بها على تبييض الفلزات وتحميرها أملاً في تحويلها إلى ذهب تمكنوا من تحضير كثير من  المواد الكيميائية النافعة.

فمن الرصاص وحده جهَّزوا المرتك الأصفر والأسرنج الأحمر والإسفيداج الأبيض. ولما كانت أمثال هذه التجارب لا تصلح إلاّ بإتقان العمليات الكيميائية، فقد عُني كيميائيو العرب بعملياتٍ كثيرة: كالحل (الإذابة) والعقد (الترسيب أو التبلر) والتسخين والتكليس والتقطير والتصعيد، كما أدخلوا تحسينات كثيرة على الأجهزة المستخدمة في كل منه ، وابتكروا أجهزة أخرى. وربما كان للرَّازي الفضل الاكبر في هذه الناحية العملية.

 

5-كان  لنتائج بعض التجارب أثر خدَّاع في نفوس القائمين بها كاستخلاص الفضة من الجالينا وتحضير الذهب من بيريت الحديد، وتجهيز تلك السبيكة التي صنعها جابر من الزنجفر والزئبق وقليل من الذهب والفضة وبعض المواد الأخرى، فكانت أشبه بالذهب في صفاته وخواصه.

فلا عجب، إذن، في أن يعتقد أمثال جابر والرّازي وغيرهما، بإمكان تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب وفضة. ولكن عمّال السوء وقرنائه من أدعياء الكيمياء وضعوا نصب أعينهم جمع المال بالحيلة والخداع موهمين ذوي اليسار بأنهم يستطيعون تحويل الحديد أو الرصاص إلى ذهب ! .

 

6- وُجد بين كيميائيي العرب افراد قليلون لم يعتقدوا بإمكان تحويل المعادن إلى ذهب، وعلى رأس هؤلاء ابن سينا، ولكن الأغلبية العظمى كانت على الضد، حتى ليقال إن الكيمياء الإسلامية كانت قائمة على فكرة تحويل المعادن إلى ذهب .

7-من أظهر مميزات الكيمياء الإسلامية اعتمادها على الدليل العملي. وكان جابر أسبق في هذا الخصوص إلى ضرورة اتخاذ التجربة والمشاهدة أساساً لتقصي الحقيقة. وكذلك كان الرَّازي والمجريطي والجلدكي وغيرهم .

 

8- لم يكن اشتغال الكيميائيين من العرب بتجهيز الإكسير وبالتجارب العملية ليصدهم عن التفكير والبحث النظري. فقد حاولوا تعليل كثيرٍ من الظواهر الكيميائية، واستنبطوا النظريات التي تساعدهم على  تحقيق هذا الغرض. وأقرب دليل نسوقه على ذلك تلك الصورة التي تخيل بها جابر عملية اتحاد الزئبق بالكبريت، فهي لا تختلف عن نظرية دالتون في تفسير هذا الاتحاد.

ومن أشهر النظريات التي وضعوها واعتقدوا بصحتها أن المعادن تتكون من اتحاد الزئبق بالكبريت، وقد استنبطوها من تجريب لا من خيال، لأن الفلزات التي كانت معروفة لديهم تتحول بالصهر إلى سائلٍ لامع رجراج يشبه الزئبق.

وقد استخدم جابر هذه النظرية في تفسير ظاهرة التكليس، فأوضح أن الفلز عندما يتأثر بالحرارة يتطاير  منه الكبريت ويتخلف الكلس وهو تربة من الزئبق مختلطة ببعض الشوائب الأرضية.

وهذه النظرية هي الأساس الذي بنى عليه العالم الألماني "ستال" Stahl (1660 – 1734) نظرية "السعير"،  وهي تتلخص في أن الأجسام القابلة للاحتراق تحتوي على مادة تسمى السعير، فإذا ما تأثرت بالحرارة انطلق  السعير بشكل لهب أو ضوء أو حرارة وتخلَّف الكلس . ولا فرق بين النظريتيين إلاّ في اسم المادة المتطاير . فجابر يسميها "كبريتاً"، وستال يسميها "سعيراً" .

 

9-كان العرب يعتقدون بتأثير الأجرام السماوية في المعادن. وقد نشأ هذا الاعتقاد عن البابليين، الذين درسوا انتقال الكواكب وقاسوا حركاتها وعيَّنوا منازلها في الإثني عشر شهراً من السنة، وربطوا كل معدن من المعادن السبعة التي كانت معروفة لهم بكوكب خاص يشيرون إليه باسم هذا الكوكب.

وقد نقل الإغريق عن البابليين هذا المذهب، وعن الإغريق أخذ العرب هذه الفكرة. ولكن البارزين من علمائهم لم يتقيَّدوا بها في تجاربهم العلمية، وأسماء الأجرام السماوية التي كان العرب يطلقونها على الفلزات السبعة، كما ذكرها الجلدكي، هي : الرصاص (زحل)- القصدير (المشتري) – الحديد (المريخ) – الذهب (الشمس) – الفضة (القمر) – النحاس (الزهرة) – الخارصين (عطارد)، وكانوا ينسبون الزئبق إلى عطارد كذلك، مثله في ذلك مثل الخارصين.

وقد بقيت هذه الأسماء الى وقتنا هذا حتى في اللغات الأجنبية. فمثلاً الإسم الإنجليزي للزئبق Mercury وهو اسم النجم المنسوب إليه! .

ويستخلص من هذا أن الكيمياء الإسلامية كانت خالية من مظاهر التنجيم، بل تقوم على أساس علمي متين خال من الوهم والسحر والتعويذ والتنجيم.

 

10-اهتم كيميائيو العرب بعمليات الوزن الدقيق، مع أن الأوروبيين لم يستعملوا الميزان في عملياتهم الكيميائية إلاّ في القرن السابع عشر. وفي كتب جابر والرَّازي وغيرهما نرى العناية والحرص الشديدين على ما ذكر أوزان المواد المتفاعلة في التجارب العملية.

ولا شك أن اهتمامهم بالوزن هو الذي هداهم إلى استنباط القانون الذي توصل إليه الجلدكي، وهو أن المواد تتفاعل معاً بنسب وزنية ثابتة. وأصغر وحدات أوزانهم هي "الحبَّة" = 1/6480 من الرطل. وبديهي أن تقدير مثل هذا الوزن يستلزم استعمال ميزان حسَّاس!.

 

11– لم يُهمل علماء العرب تطبيق الكيمياء في الحياة العملية. فقد استعانوا بها على تحضير الاملاح والأدوية والروائح العطرية وغير ذلك. وللكندي، فيلسوف العرب، رسائل كثيرة في الكيمياء التطبيقية

 

12-كانت الكيمياء الإغريقية عندما بدأ العرب في دراستها ذات جوانب ثلاثة لا صلة بينها ولا رابط : فلسفي، وتجريبي، وباطني. وكان الأخير يستوجب استعمال التعاويذ والرقى والمؤثرات الوهمية التي ناصرها علماء الإسكندرية في عهدها الأخير.

أما جابر فقد أعرض عن ذلك وأسَّس الكيمياء على الجانب العملي، محاولاً تفسير ظواهرها بالنظريات الفلسفية التي كانت شائعةً في عصره.

وسار على نهجه العلماء الذين أتوا بعده، فطهَّروا الكيمياء من شوائب الدجل ومظاهر السحر والتعمية. فكان علماء العرب – بحق – أول من طبَّق ما يُسمَّى الان "المنهج العلمي" في دراستهم للكيمياء .