التاريخ

الإنجازات التي قام بها كل من العالمين “بروتوليه وهولميارد” في تاريخ الكيمياء

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

انجازات بروتوليه انجازات هولميارد التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

ومن برتوليه ؟ ! .

في أواخر القرن الثالث عشر وبداية القرن التالي له ظهرت في الكيمياء كتبٌ باللاتينية قيل أنها مترجمة عن أصول عربية لجابر.

ولا ندري أكان واضعها المجهول قد نقلها حقاً عن جابر أم أنه أراد لهذه السُّمعة والذيوع فنسبها إليه ؟.

وأشهر هذه الكتب "المجموعة الكاملة"، وهو أفضل المؤلفات الكيميائية في القرون الوسطى. وقد ذكر المؤلف في مقدمته أنه جمع علم الكيمياء من كتب المتقدمين واختصرها في مجموعة واحدة.

والكتاب في جزئين : الأول يحتوي على موضوعات من مثل: الشروط الواجب توافرها في المشتغل بالكيمياء ومناقشة المذهب القائل بعدم إمكان تحول المعادن، وإيراد الأدلة على خطأ هذا المذهب، والدفاع عن فكرة تكوين المعادن من الكبريت والزئبق.

ووصف خواص الفلزات المعروفة وصفاتها، وشرح العمليات الكيميائية الأساسية وطرق إجرائها، وذكر أنواع المواقد والأفران وطرق استعمالها. والثاني يصف الوسائل التي يتيسَّر معها تحويل المعادن إلى ذهب.

 

وقد ظلَّ الكتاب بجزئيه يحمل اسم جابر إلى أواخر القرن التاسع عشر إلى أن ظهر العالم الفرنسي الشهير "برتوليه" Berthollet (1748-1822) ، وكان ميّالاً لاستقصاء تاريخ الكيمياء في القرون الوسطى، ورأى أن هذا العلم كان مقصوراً على العرب من القرن الثامن إلى القرن الثاني عشر ، فدرس الكيمياء الإسلامية دراسة عميقة معتمداً على التراجم اللاتينية للكتب العربية الموثوق بصحة انتسابها لمؤلفيها ، ثم انتقل إلى البحث عن الكتب اللاتينية التي ظهرت في القرن الثالث عشر وما بعده ليصل إلى حقيقة مؤلفيها .

ولإتمام هذا رأى نفسه مضطراً للاطلاع على بعض الأصول العربية في الكيمياء ، ولكنه كان جاهلا بالعربية، ومن ثم لجأ إلى وزير المعارف إذ ذاك ليتوسط بينه وبين المستشرق الشهير "هودا" Houdas المترجم البُخاري ليقوم بدور المترجم، وانتخب برتوليه 13 رسالة عربية منها 9 لجابر وقدَّمها لهودا فترجمها.

 

وعكف برتوليه على دراستها والموازنة بينها وبين الكتب اللاتينية المشار إليها . وفي عام 1893 أخرج كتاباً في أجزاءٍ ثلاثة عن "الكيمياء في العصور الوسطى" "La Chimieau Moyen Age" ، شكَّك فيه انتساب تلك الكتب اللاتينية لجابر وعزَّز شكه بأدلة .

ومذ ذلك أطلق على مؤلِّف هذه الكتب المجهول اسم "جابر اللاتيني" أو "جابر القرن الثالث عشر" وأشير إلى اسمه بالحروف "Geber" تمييزاً له عن جابر العربي الذي يكتب اسمه هكذا "Jabir" .

ولم تنته الرواية عند هذا الحد …

ففي عام 1923 آثارها من جديد العلاّمة "هولميارد" E.Y.Holmyard   أستاذ الكيمياء بكلية كلتون بإنجلترا، وهو متضلع في العربية ، يجيدها كأحد أبنائها، فضلاً عن قدرته على قراءة النصوص العربية القديمة وتتبعها بسهولة وفهم مصطلحاتها ومعانيها ومغزى ما خفي منها . درس الكيمياء الإسلامية من أصول عربية وأتقنها حتى صار أفضل مرجع فيها.

 

وقد تناول هولميارد بحوث برتوليه وفنَّدها مُظهراً مواطن الضعف والخطأ فيها كما يتبين مما يلي:

1- الباحث في تاريخ الكيمياء عند العرب يجب أن يكون خبيراً بعلم الكيمياء ضليعاً في لغتهم. وقد توفّر لبرتوليه الشرط الأول وافتقد الثاني.

2- كان هودا، الذي قام بعملية الترجمة، خبيراً بالعربية ولكنه يجهل الكيمياء تماماً، ومن ثم لا يصح الوثوق بترجمته .

 

3- يوجد أكثر من 300 كتاب عربي في الكيمياء محفوظة في مكتبات أوروبا ودار الكتب المصرية، منها نحو 50 مؤلّفاً لجابر وحده، ومن بين هذه المجموعة الضخمة انتخب بروتوليه 13 مؤلَّفاً فقط بلغ مجموع صفحاتها 205! واتخذها عيِّنة ممثلة لبحوثه. ومثل هذا الأساس الضعيف لا يجوز الاعتماد عليه في الوصول إلى رأيٍ حاسم وحُكمٍ قاطع .

4- كثير من المبادئ والنظريات والآراء الواردة في الكتب اللاتينية المنسوبة لجابر موجودة بنصها في  كتبٍ أخرى له .

5- ينسب برتوليه للأوروبيين بعض الإنجازات الكيميائية، غير واعٍ بأن العرب قد حقَّقوها من قبل.

 

6- وردت في كتاب برتوليه أخطاء كثيرة دلّت على عدم توفيته الموضوع حقه منها :

أ- اعتقد أن جابراً لم يذكر في مؤلفاته نظرية تكوين المعادن من الزئبق والكبريت، وهذا مخالف للحقيقة لأنه فسَّرها في كتابه "الإيضاح " .

ب- لجابر مؤلف يسمى "كتاب أبي قلمون" وقد أشار إليه برتوليه باسم "كتاب أبي قلمون"، فكأنه لم يدرك أن كيميائيي العرب يقصدون بأبي قلمون، "اليشب" Jasabe، وهو ضرب من الصوِّان .

ت- قال إن ابن سينا عاش في القرن الثاني عشر مع أنه ولد عام 980 م  ومات عام  1037م، كذلك أخطأ في ذكر أسماء علماء العرب البارزين أو الزمن الذي عاشوا فيه كالطغرائي والتميمي والغزالي وابن ارفع رأس. ومن المدهش أن يتوهّم أن خالد بن يزيد هو "جالود" ملك بابل، وأن سقراط هو "زوروستر" وربما نشأت كل هذه الأخطاء عن النقل في الترجمة.

 

….. وهكذا انتهى هولميارد إلى أن برتوليه لم يُتقن دراسة الكيمياء العربية ولم يستوف الأساس الذي اعتمد عليه في بحوثه، ومن ثم فهو غير صالح للحكم على هذه الكتب اللاتينية التي يلزم أن تحمل اسم "جابر العربي" لا "جابر اللاتيني" ! حتى يظهر ما ينقض ذلك بالدليل القاطع.

ويُعلَّق عبد الحميد أحمد مدير مصلحة الكيمياء المصرية الأسبق، وكان مولعا بشخصية جابر، على ما توصل إليه هولميارد بهذا الخصوص: "لقد اطلعت على كثير من الكتب الغربية وغيرها من الكتب العربية القديمة في الكيمياء، وعلى كثير مما كُتب عن جابر بأقلام المستشرقين وغيرهم، واطلعت على ترجمة الكتب اللاتينية المشار إليها وغيرها من الكتب اللاتينية القديمة. واستطيع القول.

استناداً إلى هذه الدراسات، بأن ما ذهب إليه هولميارد صحيح، وفيه بعض الإنصاف لذلك العالم العربي، وإن قصة جابر لا يزال فيها متسعٌ للمزيد من القول والتحقيق على ضوء الكشوف العلمية الحديثة " .

 

صنعة … جابر!

والخلاصة أن الكيمياء لم تكن قبل جابر علماً بالمعنى المعروف الآن، إنما كانت صناعة وخبرة تحتاج إلى دراية ومرانة، تُستخدم في التعدين والتحنيط والنسج والصباغة وعمل الزجاج وتحضير الزيوت والعطور وما إليها .

وبمجئ جابر، وذلك دوره الأوفى والأسمى، ثبَّت دعائم الكيمياء كعلم وهذّب حواشيه وبيَّن منهجه الصحيح.

وإن كان جابراً قد ألّف في مجالاتٍ أُخر كثيرة كالطب والرياضيات والفلسفة كذلك، حتى بلغ تأليفه نيِّفاً وثمانين كتاباً، فإن شهرته في الكيمياء غلبت كل ذلك حتى لقد سُميِّت "صِنْعة جابر" نسبةً إليه.