الفيزياء

آراء العالم “الفارسي” بكتاب المناظر لابن الهيثم

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

كتاب المناظر لابن الهيثم الفارسي ورايه بكتاب المناظر الفيزياء

– الفارسي وكتاب المناظر:

كان الفارسي قد درس كتاب إقليدس في المناظر واستوعب ما فيه، وقد تكون لديه اهتمام خاص بكيفية إدراك صور المبصرات بطريق الانعطاف .

ولما لم يجد ضالته عند إقليدس نظر في كتب الفلسفة فألف في بعضها أقوالا في الانعطاف لم يرتح إليها ولم يقتنع بها. ما العمل إذن؟ لا بد من مشورة الاستاذ.

فلجأ إلىأستاذه قطب الدين الشيرازي . يقول الفارسي : " … ولما رأيت في كلام بعض أئمةالحكمة أن الضوء يشرق من النير على خطوط مستقيمة، فإذا صادفت سطحا كسطح الماء انعكست عنه بزوايا مساوية للزوايا المضادة، ونفذت فيه على سمت الإشراق عليه وانعطفت فيه على سمت الإنعكاس عنه ، فحدثت من ذلك زوايا أربع هي زوايا الاستقامة والانعكاس والنفوذ والانعطاف، وكلها متساوية . تحيرت في هذه الأحكام، فراجعت الحضرة، وحكيت القصة " .

وكان الفارسي موفقاً إذ أتى أستاذه يسأله، حيث تذكر الشيرازي حينئذ أنه كان قد رأى في صباه كتابا في المناظر لابن الهيثم يقع في مجلدين كبيرين مكتوبين بخط ابن الهيثم نفسه، وقد تمكن الشيرازي من الحصول عليه من إحدى خزائن الكتب بفارس، فاستدعى الفارسي وأعطاه كتاب المناظر الذي كان ابن الهيثم قد ألَّفَه قبل ما يقرب ثلاثمائة عام.

 

فرح الفارسي بالكتاب فرحا جما، حيث وجد فيه ضالته. يقول: "فوجدته يرد اليقين مما فيه مع ما لم أحصه من الفوائد واللطائف والغرائب، مستندة إلى تجارب صحيحة واعتبارات محرَّرة بآلات هندسية ورصدية، وقياسات مؤلفة من مقدمات صادقة" . وقد وجد المقدمة المذكورة في الانعطاف منقولة منه بتحريف . هنا لنا وقفة ..

فالقصة تشير إلى أن مفهوم الانعطاف لم يكن واضحا في كتب الحكمة على عصر الفارسي، بالرغم من تناول ابن الهيثم له من أمد، مما يؤكد أن أعمال ابن الهثيم في علم المناظر لم تلق ما هي أهل له من البحث والتنقيب والمراجعة والتطوير عند العرب ، بينما وجدت الترجمات اللاتينية لكتاب المناظر طريقها إلى الغرب الذي أفاد منها أيما فائدة .

ومصداقا لهذا – وكما يقول علي عبدالله الدفاع وجلال شوقي في كتابهما " أعلام الفيزيقا في الإسلام" – " أننا إذا نظرنا في كتب الفلسفة العربية التي ظهرت بعد عصر ابن الهيثم لا نكاد نجد فيها أثرا لنظريته في الإبصار ، تلك النظرية التي قلبت مفهوم الإغريق لكيفية الإبصار رأسا على عقب .

كذلك فإن نظرة إلى كتب التشريح التي كتبت بعد عصر ابن الهيثم تبين لنا خلوها من الإشارة إلى فكره في تركيب العين وتشريحها " .

وماذا بعد ؟ …

 

عزَّ على الفارسي أن يرى عملا جليلا، كتاب المناظر لابن الهيثم، وقد ضربته يد من النسيان، فأراد أن يجلو هذه الجوهرة ويعيد إليها بريقها وتألقها، ومن ثم فكر في تنقيحه وتعديله حتى يسهل على الدارساستيعابه.

ولما هم أشفق على نفسه من الاضطلاع بهذه المهمة ، ومن ثم سأل استاذه الشيرازي القيام بها ، إلا أن الاستاذ اعتذر لانشغاله في ذلك الوقت بمصنفات أخرى . وهنا لم يكن للفارسي مناص من أن يتصدى لهذا العمل الكبير.

وقد قيض للفارسي أن يتمه ويسميه " تنقيح المناظر لذوي الأبصار والبصائر". وقد أورد في خاتمته بحوثه هو في مجال الانعطاف .

ولعله قصد بها استكمال أقوال ابن الهيثم، فيما جاء بالمقالة السابعة من كتابه، كما ذيَّل تنقيحه بدراسة لقوس قزح والهالة وكيفية تولد الألوان.

 

هذا ولم يكتف عالمنا بتحرير كتاب المناظر لابن الهيثم والتعليق عليه فحسب، وإنما عارضه في بعض ما ورد به ، بل وأضاف إلى علم الضوء إضافات جديدة قيمة . يقول في اعتراضه على تفسير ابن الهيثم لظاهرتي الانعكاس والانعطاف : " لأن الصقال إن كان يمنع من نفاذ الضوء ويوجب رده فكيف ينعطف في الأجسام المخالفة التي هو فيها ؟

وإن لم يُمنع ، فَلِمَ ينعكس من سطوح المائعات مع نفوذه فيها ؟ وغير جائز أن يقال ضوء واحد بعينه ينفذ وينعكس فيكون الواحد اثنين" .

ففي هذا النص يعترض الفارسي على تعليلابن الهيثم لظاهرتي الانعكاس والانعطاف، مشيرا إلى أن العلة المؤدية إلى حدوث الانعكاس عن سطح الجسم المشف لا تتفق وحدوث الانعطاف، كما وأن العلة الموجبة للانعطاف تنفي حدوث ظاهرة الانعكاس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق