التاريخ

إسهامات العالم “ابن ملكا”في مجال الفيزيقا

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

ابن ملكا ومجال الفيزيقا التاريخ الفيزياء

كانت لابن ملكا إسهامات متعددة في جوانب فيزيقية كثيرة، نذكر منها:

 

– ابن ملكا والحركة

الَّف ابن ملكا كتابا قيماً هو "المعتبر في الحكمة" ، تحدث فيه عن أنواع الحركة وقوانينها:

فبالنسبة لأنواعها أشار إلى نوعين هما : الحركة الطبيعية والحركة القسرية . والقسرية تتقدمها الطبيعية؛ لأن المقسور إنما هو مقسور عن طبعه إلى طبع قاسره ، فإذا لم تكن حركة بالطبع لم تكن حركة بالقسر.

ويقصد ابن ملكا بالحركة الطبيعية حركة الجسم تحت تأثير قوة الجاذبية الأرضية، حيث أن الجسم يسعى في طلب وضعه الطبيعي عند مركز الأرض.

وأما الحركة القسرية فتلك الناشئة عن تعريض الجسم لمؤثر خارجي يجبره على تغيير مكانه أو وضعه، مثل رمي السهم أو قذف الحجر.

كما يشير ابن ملكا في كتابه إلى وجود خاصية مدافعة الجسم عن بقائه على حاله وهي جوهر القانون الأول للحركة.

 

وبالنسبة للقانون الثاني للحركة، فلعل أقرب ما توصل إليه علماء المسلمين من معانٍ قول ابن ملكا: " وكل حركة ففي زمان لا محالة. والقوة الأشد تحرك أسرع وفي زمان أقصر.

فكلما اشتدت القوة ازدادت السرعة وقصر الزمن. فإذا لم تتناه الشدة لم تتناه السرعة وفي ذلك أن تصير الحركة في غير زمان وأشد لأن سلب الزمن في السرعة نهاية ما للشدة" .

وفي هذا النص يشير ابن ملكا إلى أن سلب الزمن في السرعة نهاية ما للشدة ، ولم يقل سلب الزمن في قطع المسافة ، ويعني هذا زيادة السرعة حيث السرعة = المسافة/الزمن ، وإنما قال سلب الزمن في السرعة، وهي إشارة دقيقة للتسارع (العجلة) حيث التسارع = السرعة/الزمن أو بمعنى آخر معدل تغير السرعة بالنسبة للزمن.

ويتضح من هذه المعاني أن عالمنا يشير إلى تناسب القوة مع تغير السرعة بالنسبة للزمن ، وهو معنى قريب جدا من القول بتناسب القوة مع التسارع.

 

وأما القانون الثالث للحركة، فإن ابن ملكا يشير إليه بقوله : "إن الحلقة المتجاذبة بين مصارعين لكل واحد من المتجاذبين في جذبها قوة مقاومة لقوة الآخر، وليس إذا غلب أحدهما فجذبها نحوه تكون قد خلت من قوة جذب الآخر، بل تلك القوة موجودة مقهورة ولولاها لما احتاج الآخر كل ذلك الجذب".

ولعله في هذا القول واضح أنه لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه. فالحلقة التي أشار إليها ما هي إلا جسم في حالة اتزان تحت تأثير قوتين متساويتين مقدارا ومتعاكستين اتجاها.

 

– ابن ملكا والسقوط الحر

كتب ابن ملكا عن السقوط الحر للجسم تحت تأثير قوة جذب الأرض له، وأشار إلى أن حركة الجسم تتزايد في السرعة كلما أمعن الجسم في سقوطه الحر، بحيث أن تأثيره يشتد مع طول المسافة المقطوعة.

وفي ذلك يقول : " … فإنك ترى أن مبدأ الغاية كلما كان أبعد كان آخر حركته أسرع وقوة ميله أشد وبذلك يشج ويسحق، ولا يكون ذلك له إذا ألقي من مسافة أقصر ، بل يكون التفاوت في ذلك بقدر طول المسافة التي يقطعها ".

وهو قول صحيح تماماً إذ أن سرعة الجسم الساقط سقوطاً حراً، أي تحت تأثير قوة الجاذبية الأرضية فحسب تتزايد بحسب المسافة التي يهبطها الجسم، ومن ثم فإن كمية حركته – التي عبر عنها ابن ملكا بقوة الميل – تزيد ويشتد تأثيرها. فالحجر الساقط من علٍ كلما كان موضع بدء هبوطه أعلى كانت شدة وقعه أقوى فيشج ويسحق.

 

والحق أن ابن ملكا قد وقف على حقيقة تساقط الأجسام تساقطاً حراً ، متخدة في ذلك أقصر الطرق في سعيها للوصول إلى مواضعها الطبيعية وهو الخط المستقيم . وفي هذا يقول : "كل حركة طبيعية فعلى استقامة" .

كذلك أيقن ابن ملكا أنه لولا تعرض الأجسام الساقطة سقوطا حرا لمقاومة الهواء لتساقطت الأجسام المختلفة الثقل بنفس السرعة . وبذلك يكون عالمنا أول من نقض قول أرسطو المأثور عن تناسب سرعة سقوط الأجسام مع أثقالها ، وهو قول خاطئ تماماً .

 

وبذلك يكون ابن ملكا قد حقق سبقا أكيدا في مجال حركة الأجسام تحت تأثير الجاذبية الأرضية قبل جاليليو بنحو خمسة قرون!.

يقول ابن ملكا : " لو تحركت الأجسام في الخلاء –أي الفراغ– لتساوت حركة الثقيل منها والخفيف والكبير والصغير والمخروط المتحرك على رأسه الحادة، والمخروط المتحرك على قاعدته الواسعة، في السرعة والبطء " .

 

– ابن ملكا والطب

كان ابن ملكا من ألمععلماء عصره في الفيزيقا ، وفضلا عن ذلك كان الطبيب المعلَّى. فقد كانت له منذ حداثته رغبة في دراسة الطب، حتى إنه كان يجلس عند باب كبير الأطباء في زمانه أبي الحسن سعيد بن هبة الله بن الحسين يستمع لشرحه لطلابه كي يتعمل مهنة الطب.

وكان الشيخ الكبير يناقش مع طلابه ذات مرة مسألة، إلا أنها استعصت عليهم جميعا حتى ألهم الله ابن ملكا حلها.

ولما أخبر الشيخ بأمرها مجيبا عنها بشيءٍ من كلام جالينوس، تعجَّب الشيخ من ذكائه وحرصه واستخبره عن الوضع الذي كان يجلس فيه فلما أعلمه ، قال : من يكون بهذه النباهة ما نستحل أن نمنعه من العلم وقرَّبه منذ ذلك الوقت حتى صار من أجلّ تلاميذه.

 

وكان ابنملكا من أطباء المسلمين الذين عنوا بمعالجة الأمراض النفسية، وبطريقة أدهشت علماء الطب النفسي في القرن العشرين . كما اشتهر عالمنا بجرأته في مداواة مرضاه ، فقد كان لا يتردد في أخذ القرارات في إجراء العمليات الجراحية الخطيرة .

وكان ينصح طلابه بأن الطبيب الناجح إذا اقتنع بأنه لا مناص من إجراء عملية جراحية فلا يجب أن يعطي مريضه انطباعا بأنه ليس مقتنعاً، مما يجعل المريض متخوفا وربما قاده تخوفه إلى صعوبة شفائه.

ومن أهم مؤلفات ابن ملكا في الطب : اختصار التشريح من كلام جالينوس، كتاب الإقرباذين (من ثلاث مقالات)، مقالة في الدواء.

ومن مؤلفاته في المجالات الأخرى : رسالة في العقل وماهيته، كتاب النفس، كتاب التفسير.