البيئة

تعريف “التنوع البيولوجي”

1998 تقرير1996 عن العلم في العالم

KFAS

التنوع البيولوجي البيئة علوم الأرض والجيولوجيا

شاع استعمال تعبير "التنوع البيولوجي" biodiversity خلال العقد الماضي، وخصوصاً بعد أن نشر في عام 1988 كتاب يحمل العنوان نفسه حرره < .O.E ويلسون >.

وللأسف فإن هذا التعبير يستخدم استخداماً غير محدد وبمعان ومدلولات ومقاصد مختلفة. فمعناه الشائع هو صون نوع معين من أنواع الحيوان أو النبات يفترض أنها ذو قيمة جمالية عالية أو محبب بطبيعته لدى الجماهير، كالباندا أو الفيل أو شجرة السكويا العملاقة أو زهرة الأوركيد.

وبالنسبة لأنصار البيئة فإن غاية ما يقومون به من أعمال هو المحافظة على أكبر أجزاء ممكنة من النظم الإيكولوجية المهددة بالخطر، ولا سيما في المناطق المدارية (الغابات المدارية المطيرة والشعاب المرجانية والجزر الصغيرة وما إلى ذلك)، بالحيلولة قدر الإمكان دون المساس بها.

أما السياسيون والمقاولون فإن هدفهم الأساسي هو الاستفادة من التنوع البيولوجي، الذي يشمل حقوق الملكية لفرادى البلدان، وتوجيه المعارف التقانية نحو التطبيقات التقانية البيولوجية والصناعية، مع التركيز بصفة خاصة على العقاقير الصيدلية وتحسين صنوف المحاصيل.

إن العوامل السياسية الجغرافية العامة لأي استخدام منصف للتنوع البيولوجي على الصعيد العالمي تمثل في الوقت الراهن موضوعاً يحتدم النقاش حوله، ويرتبط بتنفيذ اتفاقية التنوع البيولوجي التي اعتمدت في ريو دي جانيرو في الشهر 6/1992 أثناء انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية.

وثمة اعتراف بأنه مازال هناك خلاف بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب، ولكن هذه القضية قضية عالمية بالفعل تنطوي على جوانب مفاهيمية وأخلاقية واقتصادية مهمة.

 

تعريف مصطلح التنوع البيولوجي

إن المجتمع العلمي نفسه يستخدم مصطلح التنوع البيولوجي في معظم الحالات استخداماً يفتقر بدرجة كبيرة إلى التحديد، فيشير إليه في بعض الأحيان على أنه ظاهرة تتعلق بأنواع معينة (مثل التنوع البيولوجي للطيور أو التنوع البيولوجي للميكروبات) أو لمستوى وحيد من التكامل (التنوع الجزيئي أو تعدد الأنواع البيولوجية).

ومفهوم تعدد الأنواع يستخدم بتواتر عال لدرجة أنه أصبح يعد خطّأ – مرادفاً لتعبير التنوع البيولوجي.

وأخيراً، فإن الأفكار الخاطئة عن التنوع البيولوجي تتردد بكثرة في وسائل الإعلام بل وفي الكثير من الكتب المرجعية، الأمر الذي يؤدي إلى تكوين أراء بناءة أو هدامة عن آثار التنوع البيولوجي وعن دور البشر بشأنه.

يبدو من هذه المقدمة إذاً أن التنوع البيولوجي مصطلح يكاد يتعذر وضع تعريف له. غير أنه أصبح من الضروري إيجاد فهم أفضل للمدلول الفعلي للتنوع البيولوجي، يفسح المجال على الأقل لمعالجة أربع قضايا أساسية.

أولاها، ضرورة تبديد الأفكار الخاطئة السائدة حالياً كيما تصل قيمة المحافظة على التنوع البيولوجي إلى مستوى رفيع من المصداقية، وهذه قيمة يعترض عليها بعض صانعي القرار وفريق من المجتمع العلمي.

ثانيها، ضرورة القضاء على ما ينشأ بين البلدان من خلافات أثناء المفاوضات السياسية المتعلقة بإبرام المعاهدات والاتفاقيات.

والقضية الثالثة هي أنه من الضروري أن تقوم إدارة التنوع البيولوجي في أماكن وجوده على أسس علمية متينة، وألا تقوم على الحدس أو التقريب كما يحدث كثيراً في الوقت الحالي. أما القضية الرابعة، وهذه ربما تكون أهم القضايا – فهي أنه ينبغي أن يتيح التنوع البيولوجي فكرة تتردد فتساعد على تكوين رأي موحد – عن كل من التفرد والعمومية – لعالم الأحياء.

 

فالبيولوجيا، في الوقت الحالي مجزأة إلى تخصصات منعزلة، ولكن التفاعلات المفاهيمية والإجرائية يمكن ان تتزايد بسهولة إذا ما نظر إلى التنوع البيولوجي على أنه مستويات مختلفة من التنظيم، تبدأ بالجزيء وتنتهي بالمجتمع. بل إن الأهم من ذلك، أن التنوع البيولوجي وثيق الصلة بالتنوع الثقافي لدرجة أن ما يعد الآن هوة، يكاد يتعذر تجسيرها، بين العلم والثقافة القائمة على العلوم الإنسانية – من وجهة النظر الإجرائية – يمكن اجتيازها بسهولة أكثر نظرياً وعملياً على السواء.

وقد تمكن جوترو (1993) من تسجيل 14 تعريفًا معاصراً للتنوع البيولوجي من بين التعاريف الشائعة، بينها تعريفان اتخذا طابعاً رسمياً، نظراً لأنهما لقيا قبولاً لدى معظم البلدان.

والتعريف الأشمل هو ذلك الذي وضعته الأمم المتحدة والذي ورد في اتفاقية التنوع البيولوجي يعني: التغاير فيما بين الكائنات الحية من جميع المصادر والتي تشمل، ضمن ما تشمل، النظم الإيكولوجية البرية والبحرية والنظم المائية الأخرى، وكذلك المعقدات الإيكولوجية الأخرى التي تشكل هذه النظم جزءاً منها، ويشمل ذلك التنوع ضمن الأنواع وفيما بين الأنواع والنظم الإيكولوجية.

أما أقصر التعريفات على الإطلاق فهو التعريف الوارد في استراتيجية التنوع البيولوجي العالمي لعام 1992، والذي يُعرف التنوع البيولوجي بأنه: مجمل الجينات والأنواع والنظم الإيكولوجية في منطقة من المناطق.

وعلى الرغم من أن مشاركة المجتمع العلمي في وضع هذه التعاريف لم تكن مرضية بأي حال من الأحوال، فإن كلا التعريفين يشيران إلى ثلاثة عناصر رئيسية للتنوع البيولوجي: الجينات والأنواع والنظم الإيكولوجية.

 

والتنوع في نطاق النوع هو التنوع الجيني؛ والتنوع فيما بين الأنواع هو التنوع النوعي أو التنوع التصنيفي؛ أما تنوع النظم الإيكولوجية فهو التنوع الإيكولوجي أو تنوع الموائل

والتعريفان قاصران علمياً من حيث إنها لا يشيران إلى التفاعلات التي تحدث داخل التنوعات المختلفة أو فيما بينها.

والتفاعل هو الآلية الذاتية الرئيسية التي تشكل خصائص التنوع البيولوجي وكيفية عمله. وثمة قصور آخر لهذين التعريفين، إذ يبدو أنهما يهملان فكرة المقياس في الوقت الذي لا يمكن فيه تحديد الخصائص البنيوية والوظيفية للتنوع البيولوجي إلا بمراعاة صحيحة لمقاييس الزمان والمكان الملائمة.

وفي ضوء الاعتبارات الواردة سابقاً، يمكن صياغة أبسط تعريف عملي للتنوع البيولوجي كما يلي: هو مجموعة التنوعات في الجينات والأنواع والموائل والتفاعلات فيما بينها بمكان وزمان محددين (انظر الشكل 1).

 

وينبغي التأكيد أن هذه التفاعلات ذات طابع تنظيمي، بحيث إن الخواص الناشئة – أي الخواص التي لا توجد عند مستوى معين من التكامل – تظهر عندما تنتقل من الجين إلى النوع إلى أن تبلغ مستوى النظام الإيكولوجي.

إن توشيج التنوعات الثلاثة (كما في الشكل 2) يوضع التأثير التضخيمي zooming effect الذي يقترن عادة بنظرية التسلسل الهرميhierarchical theory، والذي يمكن أن يؤدي إلى ظهور خواص جديدة للتنوع البيولوجي بحسب الوضع النسبي لكتل التنوع الثلاث ولمستوى التفاعلات وشدتها.

وإجمالاً، فإن التنظيم الهرمي ظاهرة أساسية للتنوع البيولوجي، وثمة حاجة إلى وضع نظرية عامة تحقق التكامل بين مستويات التسلسل الهرمي، وكيفية نشوئها وتفاعلها. يمكن الاطلاع على معلومات إضافية عن نظرية التسلسل الهرمي في المراجع التالية Allen and Starr (1982) و Salthe (1985) و Nicolis (1986) و O'Neill et al (1986) و di Castri and Hadley (1988) و Vrba (1989) و Vrba and Elderdge (1984).

على أنه ينبغي الاعتراف بأن التسلسل الهرمي المشار إليه أعلاه ليس تسلسلاً هرمياً بحتاً بالمعنى الدقيق، لأن الجينات والأنواع والنظم الإيكولوجية لا تنتمي كلها مجتمعة إلى تسلسل هرمي واحد.

 

وقد تم توسيع نطاق الفكرة وجعلها أكثر دقة في الشكل 3، حيث تظهر أنماط التسلسل الهرمي للتنوع البيولوجي كتفاعلات لثلاثة نطاقات مختلفة من مستويات التنظيم: الوراثي والنوعي والإيكولوجي.

وبهذه الطريقة تم تمثيل عمومية العالم البيولوجي. في حين يتضح مبدأ التوحيد كما يتضح التفرد من خلال التفاعل الهرمي للتنوعات المختلفة.

فالجماعات (بكل ما تحويه من جينات) والأنواع والنظم الإيكولوجية توجد عادة عند الركائز المهمة لملتقى النطاقات الثلاث (Solbrig, 1991). كما أنها تمثل العناصر الثلاثة الرئيسية التي تؤخذ بعين الاعتبار في بيولوجيا الحماية البيئية.

ومن الناحية العملية ينبغي أن ينظر إليها معاً عند العمل على حفظ الأنواع النادرة أو الموائل المهددة بالخطر. ومع ذلك كله، فإن هذا الاستعمال مازال يمثل استخداماً ضيقاً للنهج الهرمي.

فبالنسبة لنطاق الجينات، مثلاً، ينبغي أن يكون هناك ربط وثيق بين الخصائص الوراثية على مستوى الجزيء والخصائص الوراثية على مستوى الجماعة. وبالنسبة لنطاق الأنواع، فإن المغالاة في التأكيد على تباين الأنواع species diversity يمكن أن تؤدي إلى استنتاجات متحيزة (أو غير متوازنة).

 

فمثلاً، تعد البيئة البحرية بيئة فقيرة من حيث تباين الأنواع إذا ما قورنت بالبيئة البرية، غير أن البيئة البحرية تضم 28 شعبة (بينها 13 شعبة متوطنة) في حين أن البيئة البرية لا تضم إلا 11 شعبة؛ بينها شعبة متوطنة واحدة فقد (Grassle et la., 1991).

إضافة إلى ذلك، فإن الأنواع ليست كلها متكافئة عند قياس التنوع البيولوجي لنظام من النظم. فهناك عدد قليل من الأنواع يمكن أن تؤدي دوراً جوهرياً في عمل النظام، وهناك أنواع أخرى يكاد يكون وجودها غير ضروري.

ويمكن تمثيل بعض الأنواع بعدد كبير جداً من الأفراد، وبذا تتناقص من المساواة في النظام، وهناك أنواع أخرى قد توجد بأعداد ضئيلة جداً؛ غير أن وجود تغاير وراثي كبير جداً في بعض الجماعات يمكن أم يعوض – إلى حد ما – النقص في عدد الأنواع.

وأخيراً، وعلى النطاق الأيكولوجي، فقد يكون العامل الرئيسي المؤثر في انقراض الأنواع هو تفتت الموائل أو اضطراب دينامياتها وليس مجرد عدم القدرة على التكيف على مستوى النظم الإيكولوجية.

 

وعندما يقترن التنظيم الهرمي للتنوع البيولوجي بمراعاة الاعتبارات الواجبة للمقاييس المكانية والزمانية المناسبة، لا يمكن مع ذلك أن يؤخذ على أنه مسألة نظرية بسيطة من صنع الإنسان.

ومن الناحية العملية فإنه لا يمكن فهم الصفات البنيوية والوظيفية لثبات النظم وقدرتها على الإنتاج والاستمرار، وأنماط عمل النظم الإيكولوجية (di Castri and Younes, 1990) إلا إذ عرفت النظم الهرمية والنطاقات بدلالة تفاعلاتها.

ويصدق ذلك أيضاً من الناحية الإدارية لحماية المناطق الطبيعية ولاختيار خلائط المحاصيل وأشجار الغابات المناسبة وتحديد دوراتها ونوعياتها. إضافة إلى ذلك فإن إعادة تصميم المناطق الطبيعية لجعلها أكثر استقراراً وتوافقاً بعد تعرضها للاضطراب نتيجة زراعة مساحات شاسعة بمحاصيل وحيدة أو إزالة مساحات شاسعة من الغابات ينبغي أن يستند إلى ربط المكونات الثلاثة الأساسية للتنوع البيولوجي.

وهذا المفهوم لأسس التنوع البيولوجي ينطبق أيضاً عند تبني نظر قائمة على التطور. فهذه التفاعلات فقط هي التي يمكن أن تبين مدى توقف مستوى معين من التنوع البيولوجي على الفترة الزمنية التي استغرقها التطور والتي لم يحدث خلالها اضطراب كبير، أو أنها تعكس بالأحرى تواتر الاضطرابات المتكررة على مدى تاريخ عملية التطور (Harper and Hawksworth. 1994).

وعلى الأغلب فإن كلتا العمليتين مسؤولة عن ارتفاع مستويات التنوع البيولوجي في ظل ظروف إيكولوجية وظروف تطور مختلفة وهناك ارتباط وثيق بين الجدل الدائر حالياً عن ظهور مناطق تتميز بزيادة هائلة في التنوع وبين الاعتبارات الواردة أعلاه.

Show More

Related Articles

Close