التاريخ

طريقة دخول العرب في مجال الكيمياء

1999 تاريخ الكيمياء

صلاح محمد يحياوي

KFAS

مجال الكيمياء التاريخ الكيمياء

نقل العرب عن اليونانيين من علوم الكيمياء ما كانوا يعلمونه منها، ولكن معارف هؤلاء كانت محدودة لا تزيد على طريقة الفلز واستخراج الحديد والزئبق وغيرهما منه، وعن استخلاص كثير من الألوان الجميلة من الحجارة والأتربة.

غير أن أول ما استحوذ على العرب هو أمر تحويل المعادن البخسة أو الخسيسة إلى معادن ثمينة أو نفيسة، ولا سيما تحويل الفضة إلى ذهب، والرصاص إلى فضة، فدفع ذلك علماءهم إلى ولوج باب الكيمياء (الكيميا)، فكان لذلك أحسن العواقب، إذ لم يطل بحثهم حتى جعلوا الكيمياء فنا بقواعد وأصول.

وكان أول ما اكتشف العرب في الكيمياء هو أن إحماء بعض الأجسام كملح البارود يطرد منها شيئاً غير منظور يجمع في الأوعية كسائر الأجسام، ويحصر فيها بسد المنافذ عليه، وإذا أدني منه ضوء فقع فقعاً شديداً ومزق الأواني، فقالوا: إن هذا الشيء كروح الإنسان لا يُرى لكنه يعمل عظائم، ولذلك سموه "روحاً"، فنقل عنهم الإفرنج هذه التسمية فترجموها إلى الفرنسية ESPRIT ، وفي الإنكليزية SPIRIT وفي الإسبانية ESPIRITU.

 

وقد عرف العرب البارود منذ غرَّة القرن التاسع.

يقول ديوارانتي: "إن الكيمياء إنجاز حققه المسلمون إذ أدخلوا عليها الملاحظات الدقيقة والتجربة العلمية والمتقنة".

وجاء "هولميارد" أستاذ الكيمياء بكلية كلفتون CLIFTON، وهو رجل متضلع من اللغة العربية يجيدها كأحد أبنائها، فدرس الكيمياء العربية من أصولها وأتقنها، وأشاد في مؤلفاته بذكر العرب وعلمائهم في كل مناسبة.

وقد تناول سنة 1923 بحوث "برتلو"  (التي يشكك برتلو فيها بانتساب الكتب اللاتينية المترجمة عن كتب "جابر بن حيان"  مطلقاً على مؤلف هذه الكتب اسم جابر اللاتيني أو جابر القرن الثالث عشر) وفندها وأظهر مواطن الضعف والخطأ فيها.

 

وجاء في كتاب "ظهور الكيمياء لروول: "عندما أخذت العلوم القديمة في الانحطاط ، وأوشكت معالم الحضارة اليونانية على الاختفاء  كانت البلاد العربية مزدهرة بحضارتها الجديدة التي بنى أركانها الدين الجديد "الإسلام"، فشيدت الجامعات والمراصد والمكتبات العامة والمتاحف ودواوين الاستنساخ.

وجمع الكثير مما كتبه اليونان والفرس ونقل إلى العربية، وازداد شأن هذه الحضارة بعدما فتح المسلمون بلاد المغرب والأندلس، ولم ينقض زمن طويل حتى تمكن أولئك البدو من إحياء بلاد الإسبان وجعلها كعبة للعلم.

ولم يمض على الفتح الإسلامي قرن أو قرنان حتى تأسست في بلادهم أعظم الجامعات يومذاك،  وكان الأمراء أنفسهم من رجال العلم ومن قادة الفكر، وكان لا يشغل فكرهم غير أم واحد وهو رفع المستوى العلمي في بلادهم".

 

لم يكتف العرب في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين بإجراء التجارب وكتابة الرسائل العلمية فحسب بل بحثوا أيضاً في النظريات الكيماوية والمركبات الكيماوية المستعملة في الطب والصيدلة، فقد استحضروا العقاقير المختلفة بتقطير النباتات والأعشاب أو بجعلها تتفاعل كيماوياً مع مواد أخرى.

وقد قال ابن هاني الأندلس مشيراً إلى مشاهير الكيميائيين:

كم كنى لا آثمـــــاً في مــــاكنى      (هرمس) عنه ولا ذا جنف

وأطال القول فيها (ذوسم)             وهو قد دوّنها في الصحف

وأجاد النظم فيها (خالد)               لرجال من خيار السلف

حكمة أورثناها (جابر)                 عن إمام (صادق) القول وفي

لوصي طاب من تربتــــه               فهو كالمسك تراب النجف

 

وقد أحصى فون ليبمان VON LIPPMAN الكيميائيين العرب الذين عاشوا بين القرن الثامن والقرن الرابع عشر والذين اشتغلوا بالكيمياء وكتبوا عنها فكان عددهم ستين ومنهم الحسن الرماح، وعمر بن العظيم، وجابر بن حيان، والرازي، والطغرائي، وابن أرفع رأس، وعبداللطيف الجوباري، وخالد بن يزيد، وأبو المنصور الموفق، وأبو القاسم العراقي.

ويرى شلمان وجيبون وغيرهما أن العرب لم ينقلوا علوم اليونان فحسب إلى أوروبا بل نقلوا إليها بحوثهم وتجاربهم مما عجل ببزوغ النهضة العلمية الحديثة.  لقد كان العرب في طليعة من استعمل العلم النظري في أمور الحياة العامة.

وعُرف من الكيميائيين العرب "ذو النون بن إبراهيم الأخميمي" المصري وله تأليف في الكيمياء.  كا اشتهر بالكيمياء من علماء المغرب "علي حلبي" الحكيم الرومي في القرن التاسع للهجرة والخامس عشر للميلاد، وله مصنفات.

وكان من أواخر الكيميائيين "علي بن أيدمر الجلدكي" الذي توفي عام 762هـــ الموافق لعام 1360.