الكيمياء

الفنون الكيميائية العملية المستعملة لدى الإنسان قديماً

1999 تاريخ الكيمياء

صلاح محمد يحياوي

KFAS

الفنون الكيميائية العملية الكيمياء

كتب "استيلمان STILLMAN" (1852-1923م) قائلاً: "ضاعت عنا بدايات الفنون التي نطلق عليها اسم الفنون الكيماوية، ولم تترك لنا الحضارات المندثرة سجلات قابلة لفك رموزها إلى درجة تكفي لتقدم لنا معرفة محددة، علماً بأن آثار أقدم الحضارات تحمل دليلاً على أن الفنون الكيماوية غارقة في القدم".

تعد الأشياء المعدنية التي خلفتها الحضارات القديمة من بين أكثر الأدلة أهمية وكثيراً ما كان القدماء يقرنون المعادن المختلفة بالآلهة والكواكب.

لقد كانت أبكر المعادن استعمالاً هي تلك الموجودة في شكلها الطبيعي، فقد وُجد النحاس والذهب في الآثار الغارقة في القدم في مصر وبلاد ما بين النهرين.

ثم اكتشفت فيما بعد طرائق للحصول على المعادن من خاماتها بعملية الانصهار.  وتبع ذلك اكتشاف الصُّفْر (البرونز) نتيجة لصهر القصدير والنحاس معاً. 

فقد وجدت أشياء برونزية في مصر تعود إلى عام 2500 ق.م، كما وجدت في "أور UR" أو تل المَقيَّرو "أريدو ERIDU" أو أبو شهرين في بلاد ما بين النهرين في حوالي 3500 – 3000 ق.م.

 

عرف المصريون الإلكتروم أو مزيج الذهب والفضة الطبيعي اليوناني والروماني، إلا أن مفهوم السبائك الخليطة كان مجهولاً في هذا الدور. وتطورت الطرائق في مصر وبلاد ما بين النهرين لتنقية الذهب والفضة واختبارهما.

واستعمل القدماء الحديد والقصدير والرصاص بعد الذهب والنحاس والصُّفْر.

ويحتمل أن يكون أول حديد هو من صنع نَيْزكي.  وغدت الفنون التعدينية جزءاً هاماً من العبادة في مصر وبابل الآشورية.  ونشأ تواكب وثيق بين المعادن والكهنة والهياكل والآلهة.

وعرف القدماء عدداً كبيراً من المواد الكيماوية غير المعادن، فقد عرفوا الصبغات (الزنجفر، أكسيد الحديد)، وعرفوا التزجيج والزجاج (الكوبلت، النحاس)، اللازورد أو الحجر السماوي الزرقة والمنظفات وغيرها.

 

وقد وصف كثير من الكتاب الممعنين في القدم الإجراءات الكيماوية التي كانت معروفة في ذلك الحين، وبخاصة منهم:

"تيوفراستوس THEOPHRASTOS" (نحو 380-287 ق.م).

"فيتروفيوس VITRUVIOS" (نحو 100 ق.م.

"ديوسكوريدس يدانوس DIOSCORIDES PEDANUS" (نحو 60 م).

"بليني الأكبر PLINY THE ELDER" (23-79م).

 

ولم يبدأ أفلاطون وأرسطو دليلاً على ألفةٍ أو تجربةٍ مع الفنون الكيماوية العملية.

وفي ذلك الحين كان العديد من الإجراءات الكيماوية معروفاً معرفة جيدة كاستخراج كثير من الفلزات والخامات من مناجمها، وتعدين عدد من المعادن، وصنع الزجاج وتلوينه، وصبغ النسيج، وحتى استعمال المُرَسِّخات، واستعملوا كثيراً من الصبغات اللاعضوية، واستخلصوا بعض الأصبغة النباتية والحيوانية المنشأ، وحضروا الأحبار، وصنعوا الأجر وبعض السلع الخزفية، وأنتجوا فحم الخشب الخشب والكلس، وخمَّروا المشروبات الغَوْلية، وصنعوا كثيراً من العطور والمراهم.

وكان بين الكثير من المواد الهامة كيماوياً في ذلك الحين الملح والصودا والنشا، وزيوت ودُسُم شتى، والصمغ والسكر الخام والكبريت والنفط.

 

وهناك ورقتا برد تعودان إلى العصر المسيحي المبكر جداً تحويان توجيهات ووصفات لمحاكاة المعدن الثمين والأحجار الكريمة، وتبييض اللآلئ، وصبغ الصوف وغير ذلك.

هذا ويجب تمييز محاكاة المعادن الثمينة كما وُصِفَتْ هنا من الجهود المتأخرة للتظافُر الذي قام به السيميائيون الذين لم يفهموا الكيمياء العملية كما فهمها المصريون القدامى، مع أنهم كانوا مبعث استيحائهم إلى حد بعيد.

لقد طَوَّرت حضارتا مصر وبلاد ما بين النهرين كثيراً من الإجراءات والطرائق الكيماوية، وطورتا شكلاً من التكنولوجية (التقانة) العملية التي انتقلت إلى الأجيال اللاحقة.  وعلى الرغم من أن القدماء لم يتأملوا في التبدلات التي حدثت في إجراءاتهم إلا أنهم أثروا في تفكير العالم فيما بعد.