التاريخ

دور الجزر المحيطية في بلورة أفكار داروين عن التطور

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الأول

صبري الدمرداش

KFAS

داروين الجزر المحيطية التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

الجُزر المحيطية… ذلك الجندي (المعلوم)

عندما نتأمل ذلك الطريق الشاق الطويل الذي سلكه داروين لكي يصل إلى كشفه الكبير، فإننا لا نخطئ الدور الأساسي والمتميز الذي لعبته الجزر المحيطية، جزر الجالاباجوس، في ذلك الكشف. وإن كان البعض يهمل هذا الدور العظيم.

كما يعتقد البعض كذلك أن (التطور) يعني شيئاً حدث في الماضي، شيئاً يرتبط بالقردة المتحجرة والديناصورات المتحفِّرة، شيئا يُعثر عليه في الصخور المتآكلة والجبال المتحاتة والعظام النخرة، شيئاً يكمن في تاريخ عالم من صنع علماء الحفريات. وهؤلاء العلماء بالذات هم الذين وقفوا – من بين من وقفوا- متحدّين داروين ونظريته.

لم يكن علم الحفريات متقدماً كما هو اليوم. ولذلك فقد كان السِّجل الجيولوجي مليئا بالثغرات والفجوات والحلقات المفقودة.

وكان نقاد داروين يصرخون في وجهه قائلين: (أين تلك الحلقات؟) أين ما زعمت من حلقاتٍ بين القردة والإنسان مثلاً؟! أرنا هذه الحفريات وبرهن على صدق ما تقول).

 

وكان هو يجيبهم: (هذا هو أخطر اعتراض يوجَّه إلى نظريتي، غير أنني أعتقد أن التفسير يكمن في الثغرات الكبيرة الموجودة في السجل الجيولوجي).

وكان لا بد من العثور على دليل تواصل الحياة في مكان آخر غير هذا السجل، ولم يكن هذا المكان غير الجزر المحيطية.

وكان المفروض، قبل داروين، أن النباتات والحيوانات الموجودة في تلك الجزر تعتبر دليلاً على اتصالٍ قديم بين الجزر والقارة القريبة منها.

غير أن داروين لاحظ عدداً من الأمور المهمة: أن الجزر تخل من رتبٍ بأكملها من الحياة الموجودة في القارة، كما أن بعض النباتات العشبية في القارة قد نمت إلى أشجارٍ خشبية في تلك الجزر، وأن الحيوانات الموجودة في الجزر تختلف اختلافاً بيناً عن مثيلاتها الموجودة في القارة.

وكان الشيء الذي لفت نظره وحيَّره أكثر من غيره هو ذلك التباين في مناقير الشراشير (العصافير) الموجودة فوق تلك الجزر، مناقير مقوَّسة، وأخرى مستقيمة، وثالثة معقوفة، إلخ، مناقير تصلح لأغراض مختلفة.

 

وقد فسَّر داروين هذا التباين في تلك المناقير إلى تحولها، خلال المعارك القائمة من أجل البقاء فوق الجزر، إلى أشكالٍ مختلفة تمكنها من التلاؤم وظروفها البيئية المحلية في الغذاء .

(إن شراشير داروين كانت تكوِّن في الواقع عالماً صغيراً خاصاً بها، ولكنه في الوقت نفسه يعكس بوضوح خصائص العالم الكبير). – كان هذا هو تعليق دافيد لاك عالم الطيور في هذا الخصوص.

ولا شك في أن إدراك داروين للمدلولات التي يوحي بها ذلك العالم الصغير، حيث القوى التي تعمل لخلق كائناتٍ جديدة تبدو واضحة للعيان، كان أمراً ضرورياً لتوصله إلى كشفه الهام والخاص بأصل الأنواع. ذلك أن الأنواع المتداخلة والمتشابكة من الحياة فوق سطح القارة قد اختُزلت إلى حدٍ كبيرٍ في الجزر إلى درجة يتمكَّن المرء معها من أن يلاحظ بشكلٍ أوضح العوامل المؤثرة فيها.

 

ولقد أكد داروين مراراً ذلك الدور الذي لعبته تلك الجزر فيما توصَّل إليه. فقد ذكر لصديقه لايل ذات يوم أنه ما من شيء يساعد عالم التاريخ الطبيعي (قدر التجميع بعناية ودراسة كل أشكال الحياة التي نجحت فوق أكثر الجزر انعزالاً. إن كل قوقعة وكل ضفدعة وكل سحلية وكل نبات له أهميته القصوى).

لقد كانت تلك الجزر المحيطية حقاً بمثابة ذلك الجندي (المعلوم) الذي لعب الدور الأهم في بلورة أفكار داروين وتوثيقها من الطبيعة عن التطور.