شخصيّات

نبذة عن حياة العالم “جاليليو”

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الأول

صبري الدمرداش

KFAS

العالم جاليليو شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

تاجر … أقمشة!

كان جاليليو، حتى في طفولته، لا يكف عن التجريب بنفسه دون ما اعتمادٍ على ما يقول الآخرون.

وكان والده يسميه (مراقب النجوم الصغير الشارد العقل) فقد كان عقل جاليليو شارداً فعلاً يُحلِّق بين السحب وهو يتتبع بعين الخيال ذلك البالون الذي أحضره والده هديةً له في عيد مولده، بينما يكون المعلم منهمكاً في تأكيد أهمية حروف الجر في اللغة اللاتينية أو شرح الأفعال في اللغة الإيطالية!.

وأرسل، وهو في الثانية عشرة إلى مدرسة في أحد الأديرة حيث شجَّعه الرهبان على الانخراط في سلك الكنيسة، ولكن والده لم يشجعه على ذلك إذ كانت لديه خطة أخرى لمستقبل جاليليو – ماذا يا تُرى؟ أن يكون ابنه تاجر أقمشة!!.

ولكن كانت لدى الصبي في الوقت نفسه خطته الخاصة- الاشتغال بالعلم والطب بالذات. الطب؟! أجل .

ولكن كيف وهو يغوص سراً في شوقٍ زائدٍ وشغفٍ عظيم في دراسة الرياضيات؟! كيف وهو يخفي كتب إقليدس وأرشميدس تحت كتب أبقراط وجالينوس؟!!

 

تهورٌ… لا بد أن يُكبَح!

في أوقات فراغه أثناء دراسته للطب، كان جاليليو لا يكف عن إجراء التجارب العملية مستخدماً أدوات من صنعه.

وسرعان ما علم أساتذته بهذا فأظهروا سخطهم لأن تجرؤ أي طالب على أن يفكر بنفسه كان يعتبر في نظرهم هرطقة وكان الأساتذة يعلنون دائماً أن أرسطو قد حل جميع المسائل العلمية حلاً حاسماً ونهائياً!

وإذا ما تجرأ أحد الطلاب في أي وقت على أن يثير اعتراضاً على بعض الأقوال التي كانت في ظنهم يقينية، كانوا – أي الأساتذة – سرعان ما يضعون حداً للمناقشة بقولهم: هكذا قال المعلم (يقصدون أرسطو) وقوله الفصل!.

ولكن ها هو ذا طالب بلغ به التهور إلى حد محاولة التثبت من صحة عقائد أساتذته معتمداً في ذلك على طريقته الخاصة (إن تهوره هذا يجب أن يكبح جماحه للمحافظة على سمعة الجامعة)- هكذا صاح الأساتذة، وأرسلوا إلى ولي أمره ينصحونه ويحذرونه، فوجَّه التحذير والنصح بدوره إلى ابنه. ولكن هل يمتثل جاليليو حقاً لهذا النصح ويُذعن لذلك التحذير؟.

لقد تجاهل جاليليو كل ما قُدِّم إليه من نصح وتحذير، فقد توصَّل إلى كشفٍ عميقٍ ورائع وهو أن (علم الرياضيات هو لغة الكون)، وقد صار الآن على استعدادٍ لأن يكرس حياته لدراسة هذه اللغة.

 

أرشميدس … عصره

ونتيجة لإصرار جاليليو وعناده، رفض أساتذته إعطاءه دبلومه في الطب.

وهكذا غادر جامعة بيزا وهو فاشل في الطب فشلاً ذريعاً وقد قالوا عنه : (إنه مشعوذٌ مخبول العقل يتلاعب بالأرقام الصُّم عديمة الفائدة) ولكن مهارته هذه في التلاعب بالأرقام أكسبته شهرة كبيرة بين الرياضيين الكبار في إيطاليا، هؤلاء العلماء الذين كان جاليليو قد أرسل إليهم ببعض نتائجه العلمية والذي شرَّفوه بأن أطلقوا عليه لقب (أرشميدس عصره).

ولكن (أرشميدس عصره) وجد أن استبدال الرياضيات بالطب إنما هو شيءٌ بائسٌ حقاً من الناحية المادية.

إذ في ذلك العصر كان يوجد الكثيرون من المرضى والقليلون من محبي العلم. وقرر جاليليو إعطاء دروس خصوصية لأبناء النبلاء ولكن أين ذلك الإنسان الذي يقبل، على الأقل في ذلك الوقت، أن يأخذ أرقاماً مجردة ويعطي في مقابلها زبداً وخبزاً؟ ولكن ما العمل؟ ألم يئن للحظ أن يبتسم.

لقد خلا، لحسن الحظ، كرسي أستاذية الرياضيات بجامعة بيزا. واستطاع جاليليو أن يحصل على ذلك المنصب.

كيف؟ لا لشيء إلا أنهم لم يجدوا أحداً غيره يقبله! لِمَ؟! لأن راتب ذلك المنصب كان لا يزيد على ما يقدر بنحو اثنين وعشرين جنيها مصرياً في السنة!!

 

رب ضارة…!

انهمك جاليليو في تجاربه بشكلٍ أكبر من ذي قبل. كان تلاميذه يصغون إلى محاضراته بابتساماتٍ هازئة لم يحسنوا إخفاءها ويصب الأساتذة على رأسه اللعنات: ماذا يقصد ذلك المبتدئ السفية بإزالته كتب أرسطو المقدسة من فوق رفوفها وإحلاله تلك الأدوات السخيفة محلها من خيوط، وروافع، وكتل، ودوائر، وزوايا، وسطوح… (يا للعجب! إن هذه الأشياء تصلح لعباً للأطفال ولا تصلح أدوات للدراسة الجادة الوقور.

جاليليو، كف عن هذرك هذا وإلَّا لقناك درساً لن تنساه طول حياتك). هكذا كان تهديد الأساتذة لجاليليو.

ورفض جاليليو التهديد فتحدوه، وقبل التحدي، وكانت الغلبه له حيث أثبت – خلافاً لتعاليم أرسطو- أننا لو تركنا ثقلين مختلفين ليسقطا في نفس اللحظة ومن نفس الارتفاع فإنهما سيصلان إلى الأرض في وقتٍ واحد.

ورغم هذا أصر بعض الأساتذة على تخطيئه واستمروا في تدريس معتقدات أرسطو ونشرها على الرغم من الدليل التجريبي الذي قدَّمه لهم جاليليو، واضطهدوه.

ولكن جاليليو ظل رابط الجأش في وجه هذا الاضطهاد، واستمر في إلقاء دروسه الخارجة على التقاليد، كما استمر في حياته الخارجة على التقاليد أيضاً.

ما هذه القوانين التي تحتم أن يلبس الأساتذة أرديتهم الجامعية لا في حجرات الدراسة فحسب بل في الشارع أيضاً؟!- هكذا كان يُردِّد جاليليو، فانشق عليها وعصاها.

 

إن الرداء الجامعي يحد من حركته. وهو ينشد الحرية لجسمه وعقله معاً، ومن ثم فقد اضطر مراراً إلى دفع غرامه من مرتبه الهزيل لإصراره على الخروج على القانون.

ولكن هل تصطبر إدارة الجامعة على هذا الثائر المتجرئ على تحدي ما هم به يعتقدون؟ لقد ضاقت به ذرعاً وعليها أن تجد علَّة ما لطرده من الجامعة.

ولم يتأخر مجيىء هذه العلَّة… إن الأمير جيوفاني كان قد اخترع آلة لتطهير مجاري المياه، وأرسل نموذجاً لها إلى جاليليو ليفحصه ويكتب عنه تقريراً.

وجاء تقرير جاليليو الذي ثبتت صحته فيما بعد – في غير صف الأمير ! إذ قال فيه إن الآلة على مهارة فائقة وعبقرية نادرة إلا أن بها عيباً واحداً فقط، وهو أنها لا يمكن أن تعمل إطلاقاً!

وثار جيوفاني لهذه الإهانة وطلب بفصل جاليليو من الجامعة بدعوى عدم كفاءته. وبالطبع كانت سلطات الجامعة على أتم الاستعداد لتنفيذ طلب الأمير! ويا للأسف، فقد انضم الطلاب أيضاً- تحت تأثير أساتذتهم من أتباع أرسطو- إلى المجموعة النَّابحة التي طاردت جاليليو وطردته من الجامعة.

 

أهكذا يكون جزاء عقل متفتح وعالم ثائر؟! ولكن القدر لن يتخلَّى عنه، ورُبَّ ضارة نافعة. فلقد كان لجاليليو أصدقاؤه من علماء الرياضيات والطبيعة، إذن فليقفوا إلى جانبه، فليؤازروه ما داموا يتتبعون تجاربه الباهرة ويقدرونها حق قدرها.

وكانوا فعلاً الأصدقاء الأوفياء، فقد ساعدوه على أن يحصل على منصبٍ آخر أفضل في جامعة بادوا حيث بلغ راتبه فيه نحو ستين جنيهاً مصرياً في السنة! كما أتاح له مزيداً من الحرية.

ولكن ازدياد الحرية سرَّه أكثر من ازدياد مرتبه. فقد كان يمكنه في بادوا أن يقول ما يشاء دون أن يقاطعه صفيرٌ او استهزاء. وعندما تقدَّم إلى المنصة ليلقي أولى محاضراته قُوبل بتحية ٍ حارة وحماسٍ بالغ. وأخيراً وجد جاليليو نفسه قادراً على أن يتابع تجاربه بضميرٍ مستريحٍ وعقلٍ حر.