الطب

نبذة تعريفية عن تركيب ووظيفة الجهاز العصبي لدى الكائنات الحية

1996 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء السابع

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

تركيب الجهاز العصبي وظيفة الجهاز العصبي الجهاز العصبي الطب

هل شاهدت يوما لاعبي الجمباز وهم يؤدون حركاتهم، أو لاحظت حركات أصابع شخص يكتب على الآلة الكاتبة؟ إن الجهاز العصبي هو الذي يتحكم في هذه الحركات العضلية وينسق تتابعها.

وهل لاحظت أيضا انسياب إفراز اللعاب في فمك إذا ما وصلت إلى أنفك رائحة شواء اللحم؟ إن الذي حفّز الغدد اللعابية لإفراز اللعاب هو أيضا الجهاز العصبي.

إن هذا الجهاز يُعد قائد الفريق الذي يحقق التناسق الوظيفي لأعضاء الجسم المختلفة، كما أنه يقوم بوظائف فريدة غاية في الأهمية.

فالدماغ – وهو جزء من الجهاز العصبي – مثلا هو مركز التفكير والذاكرة والذكاء والإحساس بالوعي، وهي وظائف إذا غابت – لا قدر الله – لانْهار كيان الفرد. كذلك تقع بالدماغ مراكز التحكم في الشهيق والزفير والنوم والاستيقاظ.

 

وفضلا عن ذلك، فإن أعضاء الحس مثل الأذن والعين والأنف وبراعم تذوق الطعوم في اللسان ما هي إلا أعضاء استقبال للمؤثرات الخارجية.

وتقوم الأعصاب المُخيَّة المتصلة بهذه الأعضاء بنقل هذه المؤثرات إلى الدماغ الذي يتولى بدوره تكوين الإحساس المناسب.

فالمخ هو المسئول، مثلا، عن تكوين صورة الشيء الواقع أمام العين والذي جاءت منه الأشعة إلى شبكية العين.

 

ويتولى العصب البصري نقل المعلومات عن هذا الشيء إلى الدماغ الذي يقوم بتكوين صورة للشيء بحجمه الطبيعي وتجعل الشخص يستشعرها. وبدون الدماغ لا يمكن للعين أن تجعلنا نرى شيئا، وهكذا الحال مع بقية أعضاء الحِس.

وإذا وخَزَك أحد فجأة بدبوس في ذراعك، فإنك ستجد أن ذراعك قد تحركت واندفعت بسرعة بعيدا عن مصدر الوخز. ذ

 

لك أن الإحساس بالوخز حملته ألياف عصبية إلى الحبل الشوكي – وهو جزء من الجهاز العصبي – الذي أصدر أوامره، من خلال ألياف عصبية أخرى، إلى العضلات المسئولة في الذراع لتحركَها وتدفعَها بعيدا عن مصدر الألم، حمايةً للفرد مما يؤذيه.

إن رَدَّ الفعل هذا – وإن كان الدماغ لا يتحكم فيه – إلا أن الحبل الشوكي يبعث رسالة به إلى الدماغ ليسجل الحدث فيه.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحبل الشوكي يتحكم في الحكة اللاإرادية لبعض أجزاء الجسم مثل الأيدي والأرجل. ولكن هذه الحركة تخضع لسيطرة من الدماغ.

 

والواقع أن الدماغ والحبل الشوكي هما المسئولان عن تحريك العضلات الإرادية بالجسم، ويلعبان أيضا دورا مهما في سلامة تركيب هذه العضلات.

وإذا تعرض مركز عصب الساق في الحبل الشوكي مثلا للعَطَب – لا قدر الله – لنتج عن ذلك إصابة عضلات الساق بالشلل.

ويتكون الجهاز العصبي من ثلاثة أجزاء رئيسية هي:

 

أولا: الجهاز العصبي المركزي: وهو في الفقاريات يقع في الناحية الظهرية للجسم، ويتكون من:

أ- الدماغ: وهو يوجد في منطقة الرأس داخل تجويف الجمجمة. وتتصل بالدماغ أعصاب دماغية. ويتميز الدماغ إلى دماغ أمامي ودماغ أوسط ودماغ خلفي.

ويشتمل الدماغ الأمامي على الأجزاء الآتية:

1- نصفي كرة المخ: ويبدو سطحهما مُجَعدا بشكل واضح. وتتميز قشرة كل نصف إلى مناطق وظيفية منها المنطقة الحركية، والمنطقة الحِسَّية، والمنطقة السمعية، والمنطقة الشَّمِّية، والمنطقة البَصَرية، ومنطقة التذوق.

وتلَفُ أي منطقة من هذه المناطق يسبب فقدا لوظيفتها. فإذا تلفت المنطقة السمعية، فقد الفرد قدرته على السمع، وهكذا. وكذلك يُعد نصفا كرة المخ مركز الذاكرة والذكاء.

 

2- المِهاد، وتحت المهاد: وهما مدفونان في داخل الدماغ.

 

أما الدماغ الأوسط، فلا يمكن مشاهدته عند فحص دماغ الإنسان من الخارج، وذلك لأن نصفي كرة المخ يمتدان ليغطياه.

ويشتمل الدماغ الخلفي على أجزاء منها:

1- المُخيخ: وله سطح مجَعَّدٌ، ويُعد المخيخ مسئولا عن اتزان حركة الجسم، وكذلك عن توافق الحركات العضلية بعضها مع بعض.

ويتضح ذلك من اختلال حركة الجسم وعدم القدرة على المشي بصورة طبيعية إذا ما تلف المخيخ، كما تُصبح عملية التقاط قلم رصاص مثلا من فرد آخر متعذرةً لصعوبة ضبط توافق حركات أصابع اليد للإمساك بالقلم

 

2- النخاع المستطيل: وهو يمتد من الدماغ إلى الخلف ليتصل بالحبل الشوكي. ويوجد في النخاع المستطيل مراكز عصبية للشهيق وأخرى للزفير، وكذلك مراكز العصب السمعي ومراكزُ لضبط معدل دقات القلب حسب عوامل معينة، مثل: النشاط الذي يقوم به الجسم ومعدلات الأكسجين وثاني أكسيد الكربون في الدم.

 ب- الحبل الشوكي: وهو عضو أسطواني الشكل يمتد داخل العمود الفقري، وتتصل به الأعصاب الشوكية

 

ويتميز الجهاز العصبي المركزي في الفقاريات بوجود تجويف داخلي به، ويتشكل هذا التجويف في دماغ الفقاريات على هيئة أربعة بُطَيْنات، كما يكون في الحبل الشوكي قناة مركزية. ويوجد سائل دماغي شوكي في بطينات الدماغ والقناة المركزية.

ويِختل تركيب هذا السائل في بعض الحالات المرضية للجهاز العصبي. ويعمل هذا السائل على امتصاص الصدمات التي قد يتعرض لها الجهاز العصبي، كما أنه يضمن للجهاز العصبي وسطا رطبا، ويعمل على سلامة التراكيب الدقيقة له.

ويحاط الدماغ والحبل الشوكي في الثدييات بأغلفة تسمى «السَّحايا» وهذه الأغشية هي «الأم الحنون» في الداخل، وهي تلاصق تماما النسيج العصبي، و«العنكبوتية» التي تقع في الوسط، ثم «الأم الجافية» في الخارج. وتعمل هذه الأغشية على توفير قدر من الحماية للنسيج العصبي.

 

ويمكن تمييز مادة الجهاز العصبي المركزي في الحالة الطازجة إلى مادة رمادية أو (سنجابية) اللون، وأخرى بيضاء اللون.

ففي نصفي كرة المخ، وفي المخيخ نجد أن المادة الرمادية تقع للخارج، والمادة البيضاء للداخل، بينما نجد ذلك الترتيب معكوسا في النخاع المستطيل والحبل الشوكي.

 

ثانيا: الجهاز العصبي الطرفي: وهو يشمل الأعصاب الدماغية المتصلة بالدماغ والأعصاب الشوكية المتصلة بالحبل الشوكي.

ولكل عصب شوكي جِذران، أحدهما ظَهري يقوم بنقل الإحساس إلى الحبل الشوكي، والآخر بطني تخرج من خلاله الأوامر من حبل الشوكي إلى العضلات أو الغدد.

وفي الإنسان يبلغ عدد الأعصاب الدماغية 21 زوجا، كما يبلغ عدد الأعصاب الشوكية 31 زوجا، والأعصاب تشبه الأحبال، وهي تتفرع باستمرار لتتصل بمناطق الجسم المختلفة، وهي بذلك وسائل اتصال الجهاز العصبي المركزي بأدق أجزاء الجسم.

وبعض الأعصاب المخية حِسَّيُّ فقط مثل العصب البصري، وبعضها الآخر حركي فقط مثل العصب تحت اللساني، كما أن البعض منها حسي حركي مثل العصب الوجهي. أما الأعصاب الشوكية فهي كلها حسية حركية.

 

ثالثا: الجهاز العصبي الذاتي: وهو يتكون من عُقَد عصبية وألياف عصبية خاصة، وهو يسيطر على أنشطة بعض أجزاء الجسم دون إرادة أو وَعْيٍ من الفرد ذاته.

و«الخلية العصبية» هي وحدة التركيب والوظيفة للجهاز العصبي. ويحتوي الجهاز العصبي في الإنسان على نحو عشرة آلاف مليون خلية عصبية تقوم بالوظيفة العصبية.

وتتكون الخلية العصبية من جسم نجمي أو هرمي الشكل غالبا، يتصل به غالبا عدد من الزوائد القصيرة تعرف باسم «الزوائد الشجيرية»، كما يخرج من جسم الخلية العصبية زائدة طويلة ورقيقة تُكونِّ ما يسمى «الليفة العصبية».

 

وتقع أجسام الخلايا العصبية عادة في الدماغ والحبل الشوكي في تجمعات تسمى «العُقد العصبية»، بينما تتجمع الألياف العصبية معا لتكون الأعصاب.

وتُكوِّن الخلايا العصبية فيما بينها شبكة من الاتصالات غاية في التعقيد، وهذا يُمكِّنها من تحقيق التآزر والتعاون بينها للسيطرة على الكثير من الأنشطة التي تقوم بها أعضاء الجسم المختلفة.

 

ويقوم الجهاز العصبي بوظائفه عن طريق مجموعة كبيرة من المواد الكيميائية، ولكل منها أدوار وخصائصُ محددةٌ.

ويلاحظ أنه بعد استكمال تكوين الجهاز العصبي، فإن الخلايا العصبية تكون غير قادرة على الانقسام والتكاثر.

ومن هنا فإن الإصابات التي تتلف أجسام الخلايا العصبية تُصبح مُعضلة أمام الأطباء، حيث لا يمكن تعويض الخلايا العصبية التالفة. ومن هنا يجب أن نحرص على جهازنا العصبي، وحمايته من الصدمات أو العدوى أو الإجهاد.

 

ويوجد بالجهاز العصبي طراز آخر من الخلايا العصبية الأصغر حجما، تعرف باسم «خلايا الِغراء العصبي» وهذه الخلايا لا تقوم بالوظيفة العصبية ذاتِها، ولكنها ضرورية لتمكين الخلايا العصبية من القيام بدورها. ولخلايا الغراء العصبي القدرة على الانقسام والتكاثر.

ويلاحظ أن الجهاز العصبي للوليد ينقصه الكثير من الاتصالات العصبية، وكذلك التكوينات الخاصة بخلايا الغراء العصبي. وهذه وتلك تستكمل مع تقدم عمر الوليد بما يرتقي بقدراته الذهينة والحركية والدفاعية.

 

وإذا استعرضنا الجهاز العصبي في مختلف مجموعات عالم الحيوان لظهر لنا بوضوح تدرجه في البناء التشريحي والقدرات الوظيفية.

ومن الناحية التشريحية مثلا نجد أن الجهاز العصبي في الديدان الحَلَقية والحشرات يتكون من عُقد عصبية في منطقة الرأس، وأن الحبل العصبي مُصمَّت ويمتد بطول الجسم على الناحية البطنية على عكس الحال في الحيوانات الفقارية.

 

ويُرجع كثير من العلماء تميز المخ البشري، إلى طبيعة قشرة نصفي كرة المخ وتَميُّز المراكز العصبية، وطبيعة الاتصالات العصبية، بما حقق للإنسان قدرات فريدة على التفكير المعقد والقدرة الفائقة على التعلم، والقدرة على الكلام والقراءة والكتابة والاستنباط.

واستطاع الإنسان بذلك أن يبدع في مختلف العلوم والفنون، وتراكمت لديه الخبرات عبر الأجيال بما كَوَّن للإنسان تاريخا متواصلا في حضارات متعاقبة عبر الزمان.