إسلاميات

نبذة تعريفية عن الإمام مالك بن أنس

2003 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الرابع عشر

عبد الرحمن أحمد الأحمد

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الإمام مالك بن أنس إسلاميات المخطوطات والكتب النادرة

الإمامُ مالِكٌ هو أبو عبدِ اللهِ مالِكُ بِنُ أَنَسِ بنِ مالِكِ بنِ أَبي عامِرٍ الأَصْبَحِيِّ. وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وتِسْعينَ مِنَ الهِجْرَةِ، وماتَ بالمَدينَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وسَبْعينَ ومِئَةٍ، وله أَرْبَعٌ وثمانونَ سنةً. وقالَ الواقِدِيُّ: ماتَ ولَهُ تِسْعونَ سَنَةً.

كانَ بيتُ الإمامِ مالِكٍ بَيْتَ عِلْمٍ، فجَدُّه الأَعْلَى أَبو عامِرٍ معدودٌ عِنْدَ بَعْضِهِم في الصَّحابَةِ، وقيلَ: إِنَّه تابِعِيٌّ مُخَضْرَمٌ. وجَدُّهُ الأَسْفَلُ مالِكٌ مِنْ كِبارِ عُلماءِ التّابِعينَ، وهو أَحَدُ الأَرْبَعَةِ الّذينَ حَمَلُوا عُثمانَ إلَى قَبْرِه لَيْلاً. وعَمُّ الإمامِ مالِكٍ، وهو أَبو سُهيلٍ نافِعِ بنِ مالِكٍ، مِنْ جِلَّةِ عُلماءِ التّابِعينَ وسادَتِهِم رَوَى عَنْه في المُوَطَّأِ.

 

تَبَحَّرَ الإمامُ مالِكٌ في رِوايَةِ الحديثِ وضَبْطِهِ، والتَّفَقُّهِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وتَلَقَّى عِلْمَ سَلَفِهِ من الصَّحابَةِ والتّابِعينَ، فكانَ إمامًا في الحديثِ وإمامًا في الفِقْهِ.

أَخَذَ مالِكٌ العِلْمَ عَنْ خَلْقٍ كثيرٍ، مِنْ أَشْهَرِهِم مُحَمَّدُ بنُ شِهابٍ الزّهْرِيُّ، ويَحْيَى بنُ سعيدٍ الأَنْصارِيُّ، ونافِعٌ مَوْلَى ابنِ عُمَرَ، ورَبيعةُ بنُ أَبِي عَبدِ الرَّحْمَنِ المشهورُ بربيعَةِ الرَّأْيِ. وأَخَذَ العِلْمَ عَنْه خَلْقٌ لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، مِنْ أَشْهَرِهِم: الشّافِعِيُّ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ القاسِمِ العِتْقِيُّ المِصْرِيُّ وعبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ الفهرِيُّ المِصْرِيُّ.

 

وَرَثَ الإمامُ مالِكٌ عِلْمَ أَهْلِ الحجازِ عامَّةً، وعِلْمَ أَهْلِ المدينَةِ خاصَّةً. يقولُ ابنُ تَيْمِيَة: «لا رَيْبَ عِنْدَ أَحَدٍ أَنَّ مالِكًا أَقْوَمُ النَّاسِ بِمَذْهَبِ أَهْلِ المدينَةِ رِوايَةً ورَأْيًا، فإنَّه لَمْ يَكُنْ في عَصْرِهِ ولا بَعْدَه أَقْوَمُ بِذَلِكَ مِنْه، وكانَ لَهُ مِنْ المكانَةِ عِنْدَ أَهْلِ الإسْلامِ – الخاصِّ مِنْهُم والعامِّ – ما لا يَخْفَى علَى مَنْ لَهُ بالعِلْمِ أَدْنَى إِلْمامٌ».

ومالِكٌ أَحَدُ أَرْكانِ العِلْمِ الّذينَ اسْتَحَقُّوا عَنْ جَدارَةٍ لَقَبَ «إمام»، ويَأْخُذُ بِمَذْهَبِهِ في الفِقْهِ – قديمًا وإلَى اليَوْمِ – بُلْدانٌ كثيرَةٌ جدًّا في العالَمِ الإسْلامِيِّ، وبِخاصَّةٍ في المَغْرِبِ وأَفْريقِيَّةَ ومِصْرَ والأَنْدَلُسِ ودولة الكويت.

ويقومُ المَذْهَبُ المالِكِيُّ علَى الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ والقِياسِ كَبَقِيَّةِ المَذاهِبِ، ولكنَّ أَهَمَّ ما يُمَيِّزُهُ الأَخْذُ بِعَمَلِ أَهْلِ المدينَةِ، فهو عِنْدَ مالِكٍ، رَحِمَهُ اللهُ، مُقَدّمٌ علَى خَبَرِ الآحادِ والقِياسِ.

 

مِثالُ ذَلِكَ ما وَرَدَ في الأَخْبارِ الصَّحيحَةِ عَنْ عَدَدِ الرَّضَعَاتِ الّتي يَحْرُمُ بِها الزَّواجُ. يقولُ مالِكٌ: ولَيْسَ علَى هذا العَمَلُ؛ والرِّضاعَةُ قليلُها وكثيرُها تُحَرِّمُ إِذَا كانَتْ في الحَوْلَيْن.

ولِلْعُلماءِ في عَمَلِ أَهْلِ المدينَةِ رُدودٌ وتَفصيلاتٌ كثيرَةٌ. فَمِنْه عِنْدَهُم ما هو حُجَّةٌ خاصَّةٌ ما كانَ طريقُهُ التَّوقيفُ والنَّقْلُ، ومِنْه ما لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وذَلِكَ ما كانَ طريقُهُ الاجْتِهادُ. قالَ عَنْهُ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِي، وهو أَحَدُ كِبارِ العُلَماءِ المُعاصرينَ لَهُ: «ما رَأَيْتُ أَحَدًا أَتَمَّ عَقْلاً، ولا أَشَدَّ تَقْوَى مِنْ مالِكٍ».

وكانَ رَحِمَهُ اللهُ مبالِغًا في تَعْظيمِ العِلْمِ والدِّينِ، حتَّى إِنَّه كانَ إِذا أَرَادَ الجُلوسَ للتَّحْديثِ تَوَضَّأَ وسَرَّحَ لِحْيَتَهُ وتَطَيَّبَ وتمكَّنَ من الجُلوسِ علَى وَقارٍ وهَيْبَةٍ، ثُمَّ حَدَّثَ. فقيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فقالَ «أُحِبُّ أَنْ أُعَظِّمَ حديثَ رسولِ اللهِ، صلَّى الله عَلَيْه وسلَّمَ.

 

وكانَ رَحِمَهُ الله صُلْبًا في الدِينِ، لَمْ تُغْرِهِ الدُّنْيا ولَمْ يُرْهِبْهُ السُّلْطان، قالَ عَنْ نَفْسِهِ: دَخَلْتُ علَى هارونَ الرَّشيدِ، فقالَ لِي: يا أَبا عَبْدِ اللهِ يَنْبَغِي أَنْ تَخْتَلِفَ إِلَيْنا (أَيْ: تَتَرَدَّدَ عَلَيْنا) حتَّى يَسْمَعَ صِبْيانُنا مِنْكَ المُوَطَّأَ.

فقالَ الإمامُ: أَعَزَّ الله أميرَ المُؤْمنينَ، إنَّ هذا العِلْمَ مِنْكُمْ خَرَجَ، فإنْ أَعْزَزْتُموهُ عَزَّ، وإِن ذَلَّلتَمُوه ذَلَّ، والعِلْمُ يُؤْتَى ولا يَأْتِي. فقالَ هارونُ: صَدَقَتْ. وقالَ لأَولادِهِ أُخْرجُوا إلَى المَسْجِدِ حتَّى تَسْمَعوا مَعَ النَّاسِ.

 

أَلَّفَ الإمامُ مالِكٌ كِتابَهُ «المُوَطَّأ»، وهو كتابٌ خَلَطَ فيهِ الحَديثَ بِفِقْهِ الصَّحابَةِ والتّابعينَ. وفِقْهُ مالِكٍ لَيْسَ مقصورًا علَى هذا الكِتابِ، فَقَدْ تَلَقَّى تلامِذَتُه عَنْه فِقْهَهُ وحَفِظوهُ ونَقَلوهُ إلَى بِقاعِ الأَرْضِ.

وأَشْهَرُ الكُتُبِ في الفِقْهِ المالِكِيِّ بَعْدَ المُوَطَّأِ كتابُ «المُدَوَّنَةِ» لِعَبْدِ السَّلامِ بنِ سعيدٍ التَّنوخِيِّ، المعروفِ بِسَحْنونَ. وأَصْبَحَتْ المُدَوَّنَةُ هي الكتابَ الأَوَّلَ عِنْدَ المالِكِيَّةِ بَعْدَ المُوَطَّأ.

ومِنْ الكُتُبِ المَشْهورَةِ في المَذْهَبِ «مُخْتَصَرُ خَليلٍ»، وهو خليلُ بنُ إِسْحاقَ، المَعْروفُ بالجُنْدِيِّ (ت 767 هـ – 1366م) وقَدْ اعْتَنَى بِهِ المالِكِيَّةُ وهَجَروا غَيْرَهُ، وزادَتْ الشروحُ والحواشِي الّتي وُضِعَتْ عَلَيْه علَى السِّنِّينَ؛ مِنْ أَبْرَزِها: «مَواهِبُ الجليلِ» للحَطَّابِ، و«الإكْليلُ» لِمُحَمَّد الأَميرِ، و«جواهرُ الإكليلِ» للآبيِّ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق