العلوم الإنسانية والإجتماعية

نبذة تعريفية عامة حول حِرفة “صِناعة السفن” في الكويت

2001 موسوعة الكويت العلمية الجزء الثاني عشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

صِناعة السفن الكويت العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

تعتبرُ صِناعَةُ السُّفُنِ من الحِرَفِ الرئيسيَّةِ في دولةِ الكُوَيْتِ وفي بعضِ دُوَلِ الخليجِ العَرَبِيِّ، وذلِكَ قَبْلَ اكْتشافِ النِّفْطِ حيثُ كانَ النقلُ البحريُّ التِّجارِيُّ من المِهَنِ الرئيسيَّةِ، بلْ المَصْدَرَ الثاني بعدَ الغَوْصِ.

عندَما أرادَ الإنسانُ القديمُ رُكوبَ البَحْرِ قامَ باستخدامِ جُذوعِ الشَّجرِ. وتذكرُ بعضُ المصادِرِ أنَّ القدماءَ المصريّينَ هم أوّلُ مَنْ صَنَعَ القواربَ من البُوصِ ووَرَقِ البَرْدِيِّ.

وهناكَ مصادِرُ أُخْرَى تشيرُ إلَى أنَّ السّوريّين هم أيضًا أوَّلُ من صنعَ السُّفُنَ؛ ورأيٌ آخَرُ يذكرُ أنَّ سكّانَ المحيطِ الأَطْلَسِـيِّ هم أوّلُ من رَكِبَ البحارَ. وهكذا تَعَدَّدَتْ الآراءُ.

 

لقَدْ اهتمَّ المِصريونَ القُدَماءُ بِصناعَةُ السُّفُنِ. وبالإضافَةِ إليهم، هناكَ شعوبٌ أخرَى اهتمَّتْ وبَرَزَت في صناعَةِ السُّفنِ كالصينيّينَ واليونانيِّينَ وغيرِهِمْ.

كما أنَّ المُسلمينَ تَفَوَّقوا في صِناعَةِ السُّفُنِ. ويذكرُ التّاريخُ بُروزَ وتَفَوُّقَ أبناءِ الخليجِ العَرَبِيِّ في صِناعَةِ السُّفُنِ أو بناءِ السُّفُنِ، كما يُقَالُ عَنْها. ولَقَدْ اشتهرَتْ سُفُنُهُمْ بمميِّزاتٍ خاصَّةٍ، وتَطَوَّرَتْ بما يَتَلاءَمُ مع تَطَوُّرِ المِلاحَةِ ونُمُوِّ التّجارَةِ وازْدِهارِها.

لَقَدْ صنعَ أبناءُ الخليجِ العربِيِّ، وفي مُقَدِّمَتِهِمْ أَهْلُ الكُوَيْتِ، مُخْتَلِفَ السُّفُنِ من الأَخْشابِ كالسّاجِ والنارجيلِ أو جَوْزِ الهِنْدِ. وكانَتْ هذه الموادُّ تُسْتَوْرَدُ من جنوبِ الهِنْدِ وبورما وإنْدونِيسْيا وسيلان وغيرِها.

 

وقَدْ ذكرْنا أنَّ السُّفُنَ تَعَدَّدَتْ وتَنَوَّعَتْ، فهناكَ السّفنُ المَخيطَةُ الّتي تُرْبَطُ أَلْواحُها بحِبالٍ لِخَفْضِ تكاليفِها نَظَرًا لأنَّ اسْتِخدامَ المَسامِيرِ كانَ مُكَلِّفًا.

كما أنَّ السُّفُنَ المَخيطَةَ تكونُ أقلَّ عُرْضَةً لِلْكَسْرِ. لكنْ مَعَ مَطْلَعِ العَصْرِ الحديثِ زادَ الاهتمامُ باسْتِخدامِ المَساميرِ الحديدِيَّةِ.

تُعْرَفُ صناعَةُ السُّفُنِ في الكُوَيْتِ باسمِ «قِلافَةِ السُّفُنِ». وصانِعُ السَّفينَةِ يُسَمَّى القَلاَّفَ، أمَّا المُشْرِفُ عَلَيْها فَهُو «الأُسْتاذُ» وهي كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ.

 

أمَّا الموادُّ المُسْتَخْدَمَةُ في صناعةِ السُّفُنِ فهي كثيرةٌ، يأتِي في مُقَدِّمَتِها الأخشابُ وهي متعدِّدَةُ الأَنْواعِ، ولكنَّ أشهرَها خشبُ السّاجِ الّذي لا يزالُ يُعَدُّ من أَجْوَدِ أنواعِ الأَخشابِ.

ومن الموادِّ الأخرَى «الصُّلّ» وهو زَيْتُ يُسْتَخْرَجُ من سمكِ السَّـرْدين أو من كَبِدِ سَمَكِ القِرْشِ، وهي المادَّةُ الّتي تُطْلَى بها السُّفُنُ.

وإضافةً إلى ذَلِكَ يوجدُ «الدّامر» وهي مادَّةٌ صًمْغِيَّةٌ تُسْتَخْرَجُ من بعضِ الأَشْجارِ في الهِنْدِ، ثمَّ دُهْنُ «الحَلّ» وهو زَيْتُ جَوْز الهِنْدِ، ثمَّ «الشّونة» وهي مَزيجٌ من الجيرِ وشُحومِ الأَغْنامِ.

 

ومن الموادّ الأُخْرَى «الحومار» وهي مادَّةٌ مَعْدِنِيَّةٌ حَمْراءُ اللّونِ مَصْدَرُها جَبَلُ هُرْمُز.

لَقَدْ اهْتَمَّ أبناءُ الخليجِ العربيِّ بالشِّراعِ في تَسْييرِ السُّفُنِ، وهو من القُطْنِ، ويضعونَهُ فوقَ «الدَّقل» أي صارِي السّفينَةِ، وهو مَخْروطِيُّ الشَّكْلِ، يُشَدُّ في وسط السّفينَةِ ويُمَدُّ عليه الشِّراعُ كما أَشَرْنا.

وهناكَ الحبالُ الّتي تُصْنَعُ من أليافِ جَوْزِ الهِنْدِ، وتَتَنَوَّعُ بحَسْبِ الطُّولِ والسُّمْكِ. أمّا الأدواتُ الأُخْرَى الّتي تُسْتَخْدَمُ في صناعةِ السُّفُنِ فهي الجدّومُ (الفأسُ) الحديديُّ، والمِجْدَحُ وهو الّذي يَثْقُب الخشبَ لوضعِ المساميرِ.

 

ومن الأدواتِ الأُخْرَى المِنْشارُ ومهمَّتُهُ قَطْعُ الألواحِ، والمِطْرَقَةُ الّتي تُستخدمُ في دَقِّ المساميرِ. أمَّا القوبارُ فَبِواسِطَتِهِ تُحْفَرُ تجويفاتٌ في الأَلْواحِ.

والحقيقَةُ إنَّ صناعةَ السُّفُنِ تَتِمُّ بِدِقَّةٍ تامَّةٍ، حيثُ إنَّ السّفينَةَ تتكوَّنُ من عِدَّةِ أَجْزاءٍ سواءٌ تلكَ المُتَعَلِّقَةُ بالهَيْكَلِ الخارجِيِّ الّذي يَتَأَلَّف مِنْ عِدَّة أجزاءٍ، أو الهيكَلُ الداخليُّ وسَطْحُ السّفينَةِ. كذلِكَ الشّـِراعُ يتكوَّنُ من أجزاءٍ متعدِّدَةٍ.

لقَدْ ذكرنا أنْ مُهَنْدِسَ صِناعَةِ السّفينَةِ يسمَّى «الأستاذَ»، وإلى جانِبِه هناكَ مجموعةٌ من العاملينَ، مثل المقدميِّ الّذي يشرفُ علَى عُمّالِ السّفينَةِ، والقَلالِيفِ أو نَجَّارِي السَّفينَةِ، والضَّـرَّابين ومُهِمَّتُهُم دَقُّ المساميرِ الحديديَّةِ، والزُّورِيُّ الّذي يحملُ الأخشابَ، ولكلِّ مجموعةٍ وَظيفَتُها وأَعمالُها الّتي تقومُ بها بإخلاصٍ ودِقَّةٍ مُتَناهِيةٍ.

لكنْ كمْ من الوَقْتِ يَسْتَغْرِقُه بناءُ السَّفينَةِ؟

 

الّذي يحدِّدُ الوَقْتَ الّذي يَسْتَغْرِقُه صُنْعُ السفينةِ هو حَجْمُها، ونَوْعُها، ومُوَاصَفاتُها. فهناكَ العديدُ من السُّفُنِ مثل:

(1) الِبْغَلَة (2) البْقَارة (3) البِتِّيل (4) البُوم (5) السَّنْبوك (6) الشُّوعي (7) الجَالْبوت

(8) الماشُوَّة (9) الكِيت (10) الهورِي (11) الكويتيَّة (12) الغَنْجَة (13) البَلَم (14) البَدَن

(15) الوَرْجيَّة (16) الدَّنْكِيَّة (17) التْشَالة.

 

وكمثالٍ علَى الوَقْتِ الّذي تَتَطَلَّبُه صِناعَةُ السُّفُنِ نذكرُ أنَّ الجالبوتَ لا تستغرقُ صناعَتُهُ أكثرَ من شَهْر، أمّا البُومُ فإنَّ المُدَّةَ تتراوحُ بينَ ثلاثَةِ أَشْهُرٍ وثلاثَةِ أَشْهُرٍ ونِصْفِ شَهْرٍ.

لَقَدْ أتقنَ أهلُ الكُوَيْتِ صناعَةَ السُّفُنِ الّتي كانوا بواسِطَتِها يزاولونَ المِهَنَ البَحْرِيَّةَ، وهي: النقلُ التجارِيُّ البحريُّ، وصيدُ السَّمَكِ، والغَوْصُ.

أمَّا بالنِّسْبَةِ للأجورِ اليَوْمِيَّةِ فإنَّها تتفَاوَتُ بِحَسَبِ مَهَامِّ كلِّ فردٍ من العاملينَ في صِناعَةِ السّفينَةِ. ولَقَدْ اشْتَهَرَ في الكويتِ مجموعةٌ من العاملينَ في حِرْفَةِ صناعَةِ السّفُنِ.

 

وهذه أسماءُ بعضِ أساتِذةِ صِناعَةِ السّفن، وذلِكَ علَى سبيلِ المِثالَ ولَيْسَ الحصْر: جاسِم الصَّبَّاغُ – أحمدُ بنُ سَلْمان – حَمودُ البَدْر – جاسِم بنُ راشِد – عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرَّسولِ – عبدُ اللهِ مرزوقُ اليُوسُف، وغيرُهم.

وكانَتْ السُّفُنُ تُبْنَى لِحسابِ التُّجَّارِ والنَّواخِذَةِ الّذينَ يَخْتارونَ الأستاذَ الّذي يَتَّفقونَ مَعَهُ علَى صُنْعِ السّفينَةِ وتحديدِ نَوْعِها وحَجْمِها، ويَجْلبونَ الأخشابَ وغيرَها من الموادِّ اللاّزِمَةِ من الهِنْدِ، ويتَّفِقونَ علَى تحديدِ الأَجْر اليومِيِّ.

وكانَ يوجَدُ في دولة الكُوَيْتِ «النقع» وهِيَ مَراسي صغيرةٌ للسُّفُنِ يحيطُ بها سُورٌ من الصّخورِ البَحْرِيَّةِ، وذَلِكَ لِصَدِّ الأمواجِ عَنْها. وعُرِفَتْ هذه النقع بأسماءِ أصحابِها المسؤولينَ عَنْ صِيانَتِها وبعدَ الانْتِهاءِ من صُنْعِ السّفينَةِ يُهْدَمُ جزءٌ من رصيفِ النقعةِ المواجِهَةِ لِلْبَحْرِ.

 

وفي احتفالٍ كبيرٍ يَحْضُرُه الأهالِي يَتِمُّ إِنْزالُ السّفينةِ للبحرِ، وذَلِكَ باسْتِخدامِ الدَّوَّار وهو بكرةٌ حديديَّةٌ مثقوبةٌ ترتكزُ علَى قاعِدَةٍ خشبِيَّةٍ، حيثُ يَتِمُّ لَفُّ البَكَرَةِ بالحِبالِ السَّميكَةِ، وبِواسِطَةِ القُضبانِ الحَديدِيَّةِ يقومُ البَحَّارَةُ بإدارَةِ الدَّوَّارِ.

وهكذا، كلُّ المِهَنِ والحِرَفِ الّتي كانَ يُزاوِلُها أَهْلُ الكُوَيْتِ قبلَ اكْتِشافِ النِّفْطِ كانَتْ تَتَطَلَّبُ العَمَلَ الجَماعِيَّ والتّعاوُنَ والصَّبْرَ.

بعد انتهاءِ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَةِ في عامِ 1945، زادَتْ مُنافَسَةُ البواخِرِ التِّجارِيَّةُ للسُّفُنِ الشِّراعِيَّةِ، فاهْتَمَّ أَهْلُ الكويتِ بتطويرِ سُفُنِهِم واسْتعمالِ المَكائِنِ الآليَّةِ الّتي تَعْمَلُ بالدِّيزل.

 

لكنْ بَعْدَ اكْتِشافِ النِّفْطِ اضْمَحَلَّتْ صِناعَةُ السُّفُنِ، فَقَدْ تَوَفَّرَ الكثيرُ من فُرَصِ العَمَلِ الأُخْرَى، وخاصَّةً بعدَ انْدِثارِ الحِرَفِ والمِهَنِ البَحْرِيَّةِ، مثل الغَوْصِ والنَّقْلِ التِّجارِيِّ البَحْرِيِّ وصَيْدِ الأَسْماكِ، كَذلِكَ لارْتفاعِ ثَمَنِ الأخشابِ، وعَدَمِ وجودِ أَحْواضِ السُّفُنِ (النقع).

ولا شَكَّ أنَّ حرفَةَ صِناعَةِ السُّفُنِ من أَهَمُّ الحِرَفِ، ويجبُ الحَيْلولَةُ دونَ انْدثارِها، والعَمَلُ علَى إعدادِ الكوادِرِ الفَنِّيَّةِ والاسْتِفادَةِ من خِبْراتِ أَساتِذَةِ السُّفُنِ الّذينَ هُم علَى قَيْدِ الحَيَاةِ، لأنَّ هَذِه الصناعَةَ من ماضِي الكُوَيْتِ العَزيزِ وتُراثِهِ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق