الاماكن والمدن والدول

نبذة تعريفية عامة حول “المسجد الأقصى”

2003 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الخامس عشر

عبد الرحمن أحمد الأحمد

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

المسجد الأقصى الاماكن والمدن والدول المخطوطات والكتب النادرة

يعتبر المسجد الأقصى من أهم الأماكن الإسلامية المقدسة؛ لأنه أولى القبلتين، (وقد ولى المسلمون وجوههم قبله في الصلاة قبل أن يولوها شطر المسجد الحرام.

ومن هنا عرف بأولى القبلتين ثم أمر الله سبحانه وتعالى رسوله والمسلمين بأن يولوا وجوههم شطر المسجد الحرام.

قال تعالى (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) (البقرة:144)، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه، وصلى فيه إماما بالأنبياء جميعا في ليلة الإسراء.

 

ويقع المسجد الأقصى في مدينة القدس، وتسمى بيت المقدس، أسسها العرب الكنعانيون منذ خمسين قرنا، وأطلقوا عليها «أروسالم» وظلوا يعتزون بقدسيتها ومكانتها التي استمرت تتمتع بهما في العهدين الكنعاني واليبوسي قبل اليهودية بزمن ليس بالقصير.

وتغير اسمها بعد ذلك إلى مدينة داود، وأورشاليم (مشتقة من التسمية الكنعانية) وأطلقت التوراة عليها اسم شاليم ومدينة الله، ومدينة القدس، ومدينة العدل، ومدينة السلام، وتذكرها أحيانا: يبوس أو مدينة اليبوسيين، وهي في كل ذلك مدينة عربية وإحدى مدن الأرض الفلسطينية السليبة.

ولقد بارك الله تعالى المسجد الأقصى، ووصفه في قوله (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الإسراء:1).

 

فهناك عمق ديني وتاريخي لقدسية المسجد الأقصى وقداسته، ويرى عدد من العلماء أن الذي بنى المسجد الحرام هو آدم عليه السلام، ويجوز أن يكون ولده من بعده بنى المسجد الأقصى.

ومن الممكن أيضا أن تكون الملائكة قد بنت المسجد الأقصى بعد بنائها البيت الحرام بإذن الله تعالى؛ اعتمادا على الحديث الشريف الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض أولا؟! قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة».

 

ونلحظ من هذا الجذور الدينية التي تربط المسجد الأقصى بالمسجد الحرام حيث كانت تسمية الأقصى بهذا الاسم نسبة إلى بعد المسافة بين المسجد الأقصى في بيت المقدس. 

والمسجد الحرام في مكة المكرمة الذي يعتبر أساس المساجد الإسلامية التي تشد إليها الرحال، كما ورد في الحديث الشريف الذي رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى».

وقد روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» وفي رواية عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة» (رواه الطبرائي في الكبير وابن خزيمة).

 

إن المسجد الأقصى اسم شامل لكل ما يعرف في وقتنا الحاضر باسم المسجد القدسي الشريف، وهو الاسم الشائع الذي يتألف من المسجد الكبير الذي تقام فيه صلاة الجمعة، ومسجد الصخرة وما بينهما، وما حولهما من منشآت، مثل: السبل، والبرك، وأماكن الوضوء، والأروقة والملحقات وغيرها. 

وتبلغ مساحة الجميع في حدود (140900)م2، وكقاعدة شرعية فإن اسم المسجد يطلق شرعا على كل ما هو بداخل السور، وحكم السور حكم المسجد نفسه. وتقع البقعة المباركة كلها على جبل موريا.

 

وأما المسجد الأقصى الذي تقام فيه صلاة الجمعة فإنه يقع من البقعة المباركة في الجهة القبلية من ساحة الحرم القدسي، وهو بناء عظيم، به قبة مرتفعة مزينة بالفصوص الملونة، وتحتها الميز والمحراب.

يمتد بناؤه من جهة القبلة إلى الشمال في سبعة أروقة متجاورة مرتفعة على الأعمدة الرخامية والسواري التي تضم (33) عمودا رخاميا وأربعين سارية قبلية بالحجر.

 

ويمتد المسجد من الجنوب إلى الشمال بطول 100 ذراع، ومن الشرق إلى الغرب بطول 76 ذراعا، وفي الجنوب الشرقي داخل المسجد توجد مجموعة من العقود المشيدة بالحجر والجص وبها المحراب، وتسمى هذه الجهة جامع عمر، وإلى الشمال منها إيوان كبير معقود وآخر يسمى محراب زكريا بجوار الباب الشرقي، وفي الجهة الغربية من الجامع مجمع كبير معقود بالحجارة يتكون من كورين ممتدين من الغرب إلى الشرق يسمى جامع النساء، ويرجح أن هذا البناء تم في عهد الفاطميين، وخلف القبلة توجد الزاوية الختنية، وجهة الغرب توجد دار الخطابة، والمنبر الموجود في صدر الجامع هو منبر نور الدين الذي أنشئ عام 564هـ الموافق 1168م.

وللحرم القدسي المحيط بالمسجد عدة أبواب هي باب الرحمة، وباب التوبة، وباب البراق، وباب الجنائز، وباب الأسباط، وباب حطة، وباب شرف الأنبياء، وباب القوائمة (باب الخليل سابقا)، وباب الناظر (باب ميكائيل سابقا)، وباب الحديد، وباب القطانين، وباب المتوضأ، وباب السلسلة، وباب السكينة، وباب المغاربة (باب النبي صلى الله عليه وسلم).

 

وتعتبر رحلة الإسراء من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس بداية دخول الإسلام والمسلمين لتلك الديار المباركة، وهي حكمة إلهية تشير إلى عظمة المكان وقدسيته. 

وتعطي مؤشرا لمستقبل الفتح الإسلامي الذي جاء على يد أبي عبيدة عامر بن الجراح في زمن الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث خرج الروم مستسلمين بقيادة بطريرك القدس صفرونيوس. 

واشترطوا ألا يسلموا المدينة إلا لشخص الخليفة عمر، ودخل رضي الله عنه المدينة ومن ورائه الجيوش العربية الإسلامية وراياتها تخفق فوق الرؤوس وكان ذلك في يوم الخميس 20 من ربيع الأول عام 15 هـ الموافق 2 من مايو 636م، وأعطى أهل مدينة (إيلياء) القدس أمانا على أنفسهم وأموالهم ودينهم في وثيقة عرفت بالعهدة العمرية.

 

وكان أول ما اهتم به الخليفة عمر أن قام بإعمار المدينة، وترميم الخراب، وبنى مسجدا لإقامة الصلاة في قبلي ساحة الأقصى في الركن الشرقي، وهو المعروف الآن بمسجد عمر، ويضمه الآن ما يسميه المسلمون اليوم المسجد الأقصى الذي بناه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.

وتجدر الإشارة إلى أن المسجد المعروف اليوم بمسجد عمر بن الخطاب الكائن أمام كنيسة القيامة بالقدس يختلف في مكانه وشكله وطراز بنائه عن المسجد الذي أقامه عمر بن الخطاب على بقعة من أرض المسجد القدسي الشريف. 

إذ إن مسجد عمر بن الخطاب اليوم المسمى بالمسجد العمري هو مسجد عادي، وهو من المساجد العامة، وليس له صفة تميزه أو ينفرد بها.

 

وتوالى وتتابع اهتمام المسلمين وخلفائهم بالمسجد الأقصى، وتجلى ذلك أيضا في عهد الملك بن مروان الذي أراد بناء قبة على الصخرة المباركة فأسند الأمر إلى رجاء بن حيدة، ويزيد بن سلام مولى عبد الملك، ورصد الأموال الطائلة، واستغرق البناء سبع سنوات، وجاءت كما نراها اليوم تحفة رائعة. 

كما أولى العباسيون المسجد الأقصى عناية فائقة، فقد أصيب المسجد زلزال مدمر عام 130هـ الموافق عام 747م فأمر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بتعميره، وفي عهد الخليفة المهدي وقع زلزال آخر فأمر بإصلاحه وأعادته إلى الصورة التي تليق بمكانته في قلوب المسلمين.

وأصيبت الدولة العباسية بالضعف والتمزق مما أدى إلى ظهور دويلات هزيلة، إضافة إلى ضعف الدولة الفاطمية في مصر، وانتهزت أوربا الفرصة فجهزت الحملات الصليبية التي اتخذت مظهرا دينيا بهدف الاستيلاء على بيت المقدس. 

 

وأقاموا مملكة القدس عام 493هـ الموافق 1099م، واستبيحت الأعراض والممتلكات، ولم يراعوا حرمة وقدسية المسجد الأقصى، فحولوا الصخرة المباركة إلى مذبح نصراني ووضعوا التماثيل حولها، وشوهوا معالم المسجد الأقصى المبارك واتخذوا منه سكنا لجنودهم، وذبحوا الكثير من المسلمين رجالا ونساء وأطفالا. 

وفي العهد الفاطمي شملت التجديدات الحرم القدسي المبارك بأكمله، وفي عهد المماليك تم القضاء على جانب من الصليبيين، وصدوا الغزو المغولي عن العالم الإسلامي، وأنقذوا المسجد الأقصى وجددوا عمارته.

واستطاع البطل صلاح الدين الأيوبي بعد أن هزم الصليبيين في معركة حطين، تطهير القدس منهم بعد احتلال قارب التسعين عاما، وأزال التشوهات التي لحقت بالآثار الإسلامية، وطهر قبة الصخرة من التماثيل والهياكل، وأزال الجدار الذي وضعه الصليبيون على محراب المسجد الأقصى.

 

ونقل المنبر الذي أعده نور الدين زنكي لهذا اليوم، والذي صنع بمدينة حلب، كما ملأ المسجد بنسخ من القرآن الكريم، وشيد العديد من المدارس الإسلامية.

وفي عهد الأتراك العثمانيين اهتم سلاطين بني عثمان بأمر إنشاء الجوامع والمساجد الإسلامية، وسموا المدينة المقدسة باسم: القدس الشريف.

وفي عهد السلطان عبد الحميد الثاني زود مسجد الصخرة والمسجد الأقصى بعدد كبير من الثريات الثمينة التي علقت بالمسجدين الشريفين، وفرشهما بالسجاد، وكتب سورة (يس) بخط الثلث في مسجد الصخرة المشرفة، ووضع هلالا فوق قبتها، ويقال إنه أنفق على الزخرفة وحدها ثلاثين ألف ليرة ذهبية عثمانية، عدا السجاد الذي كلف عشرة آلاف ليلة ذهبية عثمانية.

 

وعندما احتل البريطانيون بيت المقدس بقيادة الجنرال اللنبي في 11 من ديسمبر 1917/ 1336هـ جاءت لجنة يهودية صهيونية لتعمل إلى جانب الإدارة العسكرية البريطانية من أجل تنفيذ وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين السلبية

وفي يوليو عام 1948م أغار اليهود على المسجد الأقصى، وأصابت إحدى قذائفهم مسجد الصخرة وقتل بعض المصلين، وحدث خرق كبير في سقف الرواق الأوسط لقبة الصخرة وتحطمت إحدى نوافذها.

وفي حرب يونيو 1967م اعتدى اليهود على المسجد الأقصى واستباحوا قدسيته، وقاموا بالحفريات بحجة الكشف عن التاريخ اليهودي، وترتب على ذلك تصدع الزاوية الغربية الفخرية (مقر مفتي الشافعية).

 

ولن ينسى التاريخ أنه في الساعة السادسة وعشرين دقيقة من صباح 21 أغسطس 1969م حدثت جريمة العصر، إذ أشعل شاب يهودي يدعى مايكل دنس وليم روهان – النار في المسجد الأقصى. 

واستمر اشتعال النار بالمسجد إلى الساعة الثانية عشرة ظهرا، مما أدى إلى حرق وتدمير المقصورة الملكية بالمسجد، وحرق وإتلاف معظم خشب السقف الجنوبي منه، وحرق منبر نور الدين الذي وضعه صلاح الدين الأيوبي في موضعه، إلى جانب وضع اليهود يدهم على مقبرتي باب الرحمة واليوسفية الملاصقين للحرم الشريف.

كما أضاف اليهود جريمة أخرى عام 1981م بعد أن توصلوا إلى نفق يمتد تحت المسجد الأقصى، يصل ما بين أسفل حائط المبكى وقبة الصخرة المشرفة، وزعم بعض حاخاماتهم أنه من أقدس الأماكن اليهودية.

 

ومما يجدر الإشارة إليه هنا التنويه بدور الأطفال في غضبتهم التي بدأت في 7 ديسمبر 1987م، ومواجهتهم أعمال اليهود الإجرامية في حق المسجد الأقصى بالحجارة التي زلزلت الكيان الإسرائيلي، وأصابته بالهله، وضعضعت اقتصاده، وروح جنوده المعنوية، وتسمى بالانتفاضة الأولى.

وفي 28 من سبتمبر 2000م دنس المجرم الصهيوني شارون أرض المسجد الأقصى وسط حراسة مشددة وداس هو وحرسه بأحذيتهم ودخلوا بأجسادهم القذرة قداسة الحرم، وثارت لذلك نفوس المسلمين، وبخاصة الشباب الذي تفجر حيوية وإيمانا للدفاع عن الأقصى، ولا زالت هذه الانتفاضة الثانية تعمل بكل قوة متاحة لها

وتبذل النفس والروح في سبيل الحفاظ على المسجد الأقصى، والحرم القدسي الشريف، وتوجع العد الصهيوني المدعوم من أمريكا والصهيونية العالمية، وهيهات بين القوتين، فالبون شاسع، والفارق بعيد، وليس للأقصى من دون الله كاشفة، وكل شيء يمكن استلابه وينسى إلا استلاب المسجد الأقصى وفلسطين أرض المقدسات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق