بقلم: نيكول روبنسون
على مدار آلاف السنين، دأب البشر على ابتكار طرق جديدة ومبتكرة للتعبير عن أنفسهم من خلال الفنون، بدءًا من الرسومات البدائية التي وُجِدت على جدران الكهوف، ووصولًا إلى ظهور تقنيات حديثة مكنت الفن من الانتقال إلى وسائط جديدة ودخول العصر الرقمي. الفن جزء جوهري من الطبيعة البشرية، حيث ترك أوائلُ الرسامين والنحاتين بصماتِهم ليحكوا قصصًا عن ثقافتهم وطريقة حياتهم. ومع تطور الحضارات، تطورت فنونها أيضًا. استخدم المصريون القدماء الأصباغ الزاهية والملونة في كتاباتهم الهيروغليفية، وأعجب الإغريق بشكل الجسم البشري وبدؤوا في تجربة المنظور والضوء والظل، بينما صوَّر الرومان الحياة الساكنة والمناظر الطبيعية، وابتكروا تركيبات فريدة وأضافوا تعقيدًا فنيًا. أما العصور الوسطى، فقد ركزت على رسم الأيقونات الدينية Religious Iconography، حيث أصبحت الشخصيات المُذهَّبة والزجاج المُعشَّق من السمات البارزة.

حدثت نقطة تحول خلال عصر النهضة في إيطاليا في القرن الرابع عشر، حيث اجتمع الإبداع الفني والملاحظة العلمية لابتكار تمثيلات أكثر واقعية للجسم البشري والعالم الطبيعي. ساعد ظهور تقنيات جديدة على تحقيق هذه التصويرات الواقعية، فقد استخدمت تقنية «التضاد بين الضوء والظل» Chiaroscuro توازن الإضاءة والظلال لإبراز الموضوعات وإضفاء عمق ثلاثي الأبعاد على اللوحة المسطحة، بينما أوجدت تقنية «سفوماتو» Sfumato، وتعني «التبخر»، انتقالات ناعمة بين الدرجات اللونية وألغت الخطوط الحادة، مما سمح بدمج الألوان تدريجيًا بحيث تبدو العناصر الأمامية منسجمة طبيعيًا مع الخلفية. ساهم إدخال الألوان الزيتية والأكريليك في تحسين الملمس والطبقات التي يمكن تطبيقها، بينما جعل اختراع الأصباغ الصناعية مجموعة واسعة من الألوان متاحة للجميع. كما سمحت أنابيب الطلاء للفنانين بالرسم في أثناء التنقل، من دون الحاجة إلى خلط الأصباغ يدويًا داخل المرسم.
شكَّل ظهور التصوير الفوتوغرافي Photography تحديًا للرؤى التقليدية، حيث خشي عديد من الرسامين أن يؤدي إلى اندثار أعمالهم، بينما رحَّب آخرون بهذا التغيير، معتبرين التصوير وسيطًا جديدًا للاستكشاف الفني. وقد جعل اختراع الحاسوب الفن أكثر سهولة من أي وقت مضى، إذ ألغى الحاجة إلى المواد الفوضوية، ومكَّن الفنانين من مشاركة أعمالهم عبر الإنترنت والتفاعل مع جمهورهم. لم تغيِّر هذه التطورات طريقة إنتاج الفن فحسب، بل غيّرت أيضًا طريقة إدراكه وتذوقه. فالفن، شأنه شأن التكنولوجيا، في تطور مستمر، ويستغل الفنانون كل ابتكار لدفع حدود الإبداع إلى آفاق جديدة.
الفنانون الأوائل

اتخذ الإنسان البدائي من الوجوه الصخرية لوحة له، فاستعمل أصباغًا وأدوات بدائية لتسجيل تاريخه في الكهوف حول العالم. وقد عُثر على بعض أقدم الأمثلة على فن الكهوف في فرنسا وإندونيسيا وإسبانيا. وعلى الرغم من التباعد الجغرافي بينها، فإنها تتشابه في كثير من العناصر. معظم الرسومات تُصوِّر الحيوانات التي كان أسلافنا يصادفونها ويصطادونها، مثل البيسون والخيول والأوروكس Aurochs (وهو نوع من الأبقار المنقرضة) والغزلان، إلى جانب الرموز والبصمات اليدوية. كانت لوحة الألوان محدودة بالموارد المتاحة؛ فقد استخدموا المغرة Ochre ، وهي طين يحتوي على أكسيد الحديد، وطحنوه في أوعية مصنوعة من الأصداف. أما الهيماتيت Haematite، وهو أحد أكاسيد الحديد، فاستُخدم لإنتاج اللون الأحمر الداكن، بينما شكَّل الفحم والعظام المحترقة قاعدة اللون الأسود. ولإنتاج اللون الأبيض استخدموا الحجر الجيري المسحوق أو الكالسيت أو الأصداف، وجميعها أشكال من كربونات الكالسيوم. وبعد تشكيل هذه المعادن على هيئة أقلام شمعية بدائية، كانوا يثبتون الأصباغ على جدران الكهوف باستخدام اللعاب أو عصارة النباتات أو البول.

الرسم على الجص
الفريسكو Fresco، وتعني «طازج»، هو أسلوب للرسم الجداري يُستخدَم فيه طلاء مائي يُطبَّق مباشرة على الجصّ الرطب ليجف داخل الجدار نفسه، مما يُنتج ألوانًا زاهية تدوم طويلًا، ويشمل نوعين رئيسيين: الفريسكو الحقيقي Buon fresco، حيث تُطبَّق الأصباغ المعدنية بسرعة على طبقة من الجصّ الجيري الرطب لتُمتص بالكامل، والفريسكو الجاف Secco fresco، الذي يُرسم على الجصّ الجاف باستخدام مواد رابطة كالغراء أو صفار البيض أو ماء الجير، لكنه يُنتج ألوانًا أقل حيوية، ويُستخدَم غالبًا لإضافة تفاصيل أو ألوان معينة، مثل الأزرق، التي لا تلتصق جيدًا بالجصّ الرطب.
زَيَّنت بعضُ أقدم لوحات الفريسكو قصورَ الحضارة المينوية في جزيرة كريت Minoan Crete، ويُمكن تتبُّعها حتى العام 2000 قبل الميلاد، كما ظل هذا الأسلوب شائعًا في اليونان وروما القديمتين. شهد عصر النهضة عودة كبيرة لفن الفريسكو، حيث استُلهمت عديد من الأعمال من تلك الزخارف الكلاسيكية.
دورة الحجر الجيري
لماذا يُعَد الحجر الجيري المادة المثالية لصنع الجص للفنانين؟
![]()
1 الجير الحي Quicklime
يسخن الحجر الجيري إلى نحو 900 درجة سيليزية، مما يحوله إلى أكسيد الكالسيوم، أو الجير الحي Quicklime، والذي يُستخدَم كأساس للجصّ. وتُطلِق هذه العملية غاز ثاني أكسيد الكربون.
2 الجير المُطفَأ Slaked Lime
عندما يذوب أكسيد الكالسيوم في الماء، تتشكل روابط بين الجزيئات، مكونة هيدروكسيد الكالسيوم، أو الجير المُطفَأ Slaked lime، في محلول يسمى ماء الجير.
3 ماء الجير Limewater
تُضاف مادة مالئة Aggregate، مثل الرمل، إلى ماء الجيرLimewater، مما يُدخل جسيمات أكبر لا تذوب بالكامل، ويُكوِّن فراغات داخل الخليط تُنتج جصًّا مساميًّا.
4 الحجر الجيري Limestone
يطبق الطلاء على الجص وهو لا يزال رطبًا، وعندما يجف الجصّ، يمتصّ غاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء، مما يُعيده إلى حالته الأصلية كحجر جيري ويُثبت الأصباغ بداخله.

الفنية الدينية المسيحية
استخدام الذهب
يعود فن التذهيب Gilding إلى آلاف السنين، ويقوم على تغطية الأجسام بطبقة رقيقة من الذهب تُعرف بورقة الذهب Gold Leaf. وعلى الرغم من أن الذهب هو المادة الأكثر استخدامًا في التذهيب، إلا أنه يمكن استخدام البرونز والفضة ومعادن ثمينة أخرى أيضًا. في مصر والصين القديمتين، استُخدم هذا الأسلوب لتزيين القبور والمعابد والحلي، ثم واصل الإغريق والرومان استخدامه وبدؤوا في إدخاله ضِمن الأعمال الفنية. وفي فترة لاحقة انتشر هذا الاتجاه في أنحاء أوروبا، خاصة في الكنائس والمخطوطات. في تقنية التذهيب بالماء، يُحضَّر أساس يُسمى «الغيسو» Gesso من الغراء والطباشير، ويُطبَّق على الجسم المراد تذهيبه، ثم يُضاف طين ناعم يُعرَف باسم «الطَّفلة الحمراء» Bole. يُصقل الأساس للحصول على سطح ناعم، ثم يُرَش بماء التذهيب لتلتصق ورقة الذهب، التي تُضغط في مكانها باستخدام فرشاة ناعمة دقيقة. وبعد أن تجف، تُلمَّع ورقة الذهب للحصول على بريق لامع. أما التذهيب بالغراء Mordant Gilding، فهو طريقة بديلة تُستخدَم فيها الزيوت كمادة لاصقة تُعرَف باسم «الغراء التحضيري» Size. تُعَد الأجسام المذهَّبة بهذه الطريقة أكثر مقاومة للعوامل الجوية، لذا تُستخدَم غالبًا في تزيين واجهات المباني. ومع ذلك يصعُب الوصول إلى درجة اللمعان نفسها التي توفرها تقنية التذهيب بالماء.
التلوين بالفرشاة
كانت فرشاة الرسم من أقدم أدوات البشرية، حيث كانت أولى الفرش تُصنع من الريش وشعر الحيوانات المربوط بالعصي أو العظام. استخدم المصريون القدماء سعف النخيل والقصب إضافةً إلى شعر الخيل، بينما طوَّر الرومان هذه الأداة بإدخال فرش دقيقة الرأس مصنوعة من القصب لتحقيق التفاصيل والدقة. تطلبت الرموز المعقدة في العصور الوسطى مواد أكثر نعومة، فاستُخدم شعر السنجاب Squirrel والمنك Mink لصنع الفُرش الصغيرة. أما عصر النهضة، فقد شهد ولادة شكل الفرشاة المعروف اليوم، بمقبض خشبي وحلقة معدنية لتثبيت الشعيرات. كان شعر الخنزير يُفضَّل لقوته وقدرته على حمل الطلاء الزيتي الكثيف، لكن شعر السمور Sable اكتسب شهرة لاحقًا لنعومته ومرونته. سرعان ما أصبحت الفرش أكثر تخصصًا، فصنعت بأشكال وأطوال متنوعة لتناسب الاستخدامات المتعددة. وعلى الرغم من استمرار استخدام شعر الحيوانات في صناعة الفرش حتى اليوم، فإن الألياف الصناعية المصنوعة من النايلون والبوليستر تُعَد بديلًا أرخص وأكثر أخلاقية.
الفرشاة الدائرية
فرشاة متعددة الاستخدامات تُعَد جزءًا أساسيًا من أدوات كل رسّام، إذ ينتهي طرفها الدائري بنقطة دقيقة، وتُستخدَم لإنشاء خطوط رفيعة ومفصلة ولمَلء المساحات الصغيرة.
فرشاة المروحة
الشعيرات المتفرّقة لفرشاة المروحة مثالية لإضافة أوراق الشجر في لوحات المناظر الطبيعية، كما تُستخدم لدمج الألوان أو تلطيفها وتنعيم الحواف.
الفرشاة المسطحة
يُعَدّ الطرف المربع مثاليًا للضربات العريضة والجريئة ذات الحواف الحادة، إذ تحمل الفرش الطويلة كميةً أكبر من الصباغ، بينما تتيح الفرش القصيرة، أو ما يُعرَف باسم «برايتس» Brights، قدرًا أكبر من التحكم والدقة.
الفرشاة الزاوية
الزاوية الحادة المائلة والشعيرات القصيرة تمنح الفنانين مزيدًا من التحكم عند رسم الخطوط والحواف الدقيقة. ويمكنها إنتاج ضربات رفيعة أو عريضة بحسب طريقة توجيهها.
الفرشاة البيضاوية
عن طريق دمج خصائص الفرش المستديرة والمسطَّحة، يُستخدَم الشكل الفريد للفرشاة البيضاوية في رسم ضربات مدبَّبة وخطوط عريضة بحوافَّ ناعمةٍ ومستديرة، مما يجعلها مثالية لدمج الألوان.
فرشاة التغطية الواسعة
تُصنَع هذه الفرش من شعيرات أكثر نعومة وتُستخدَم بشكل أساسي في الرسم بالألوان المائية، فيمكنها تغطية مساحات واسعة بطبقة رقيقة من الطلاء تُعرَف باسم «الغَسل» Wash، كما إنها ممتازة لتطبيق الطبقات الأساسية.

الطلاء القاتل
قبل التعرُّف على آثارها الضارة لجسم الإنسان، دخلت عديد من المركَّبات السامة في الأعمال الفنية. ففي العصور القديمة، كان اللون الأبيض الرصاصي يُصنَّع من تفاعل الخلّ مع الرصاص، مما يُنتج كربونات الرصاص Lead carbonate، وقد استُخدِم هذا اللون على نطاق واسع حتى القرن التاسع عشر، على الرغم من تسبُّبه في التسمُّم بالرصاص- الذي قد يؤدي إلى الدوار والشلل وحتى الوفاة. أما اللون الأحمر القرمزيVermillion Red، فكان يُستخرَج من معدن الزنجفر Cinnabar المحتوي على الزئبق Mercury ، وهو عنصر سامٌّ آخر. وفي العام 1775، ابتكر الكيميائي السويدي كارل فيلهلم شيله Carl Wilhelm Scheele صبغةً صفراء مخضرة تحتوي على أكسيد الزرنيخ Arsenious oxide السام مضافًا إلى كبريتات النحاس. وفي العام 1814، ظهر لون الأخضر الباريسي Paris green بتركيبة مشابهة، لكنه يُنتج درجات عميقة من اللون الزمردي. وقد استُخدِم كلا اللونين في الطلاء وورق الجدران، لكنهما يتحللان عند تعرُّضهما للرطوبة إلى غاز الأرسين arsine ، وهو غاز شديد السمية عند استنشاقه. أما الكادميوم Cadmium، الذي اكتُشف في العام 1817، فقد استُخدم لإنتاج ألوان صفراء وبرتقالية وحمراء زاهية، إلا أن التعرض لهذا المعدن النادر قد يزيد من خطر الإصابة بسرطان الرئة ويُسبب تلفًا في الكُلى والكبد والقلب.
5 حقائق عن مكونات غريبة للأصباغ
1 المومياوات
كان اللون البني المصري Egyptian brown صبغة ترابية تحتوي على بقايا مسحوقة من المومياوات المصرية القديمة، ممزوجة بالبيتومين Bitumen والمرّ Myrrh، وقد ظل يُباع حتى أقل من قرن مضى.
2 الحلزونات
كان الأرجوان الصوري Tyrian purple لونًا ارتبط بالملوك، فكان يُصنَّع بسحق أصداف الموركس Murex Snails لاستخراج مادة مخاطية تُفرزها غدتها تحت الخيشوميةHypobranchial gland، والتي تتحول إلى اللون الأرجواني الداكن عند تعرُّضها لأشعة الشمس.
3 الحشرات
لا يزال الكارمين Carmine يُستخدَم حتى يومنا هذا لإنتاج اللون الأحمر النابض بالحياة، ويُستخرج من تجفيف وسحق إناث حشرات طفيلية تُعرَف باسم القرمزية Cochineals، والتي تتغذى على صبّار التين الشوكي.
4 بول البقر
كان هذا اللون الأصفر المتوهج يُصنَع من بول الأبقار التي كانت تُغذَّى على أوراق المانجو، مما يمنحه لونه الزاهي، لكن استخدامه توقف بعد الكشف عن مكوِّنه الأساسي.
5 حجر اللازورد
اللازورد حجر كريم لا يُوجد إلا في أفغانستان وإيران، وكان يُطحَن لإنتاج لون أزرق بديع، وقد اعتُبر من الأصباغ الباهظة الثمن نظرًا إلى ندرته.
المنظور الخطي
وصف ألبرتي Alberti طريقة لإنشاء منظور واقعي من نقطة تلاشٍ واحدة
![]()
1 نقطة التلاشي Vanishing Point
نقطة واحدة على خط الأفق تتلاقى عندها الخطوط المتوازية المتراجعة لتُحدث وهمَ العمق.
2 خط الأفق Horizon Line
يمثّل هذا الخط الأفقي الممتد عبر سطح الصورة مستوى عين المشاهد.
3 الخطوط المتعامدة Orthogonals
خطوط متوازية متراجعة تبدو كأنها تتلاقى عند نقطة التلاشي.
4 الخطوط العرضية Transversals
تقع هذه الخطوط بشكل عمودي على خط الأفق، وتُحدِّد شكل وحجم الأجسام أثناء تراجعها في عمق المشهد.
5 ثلاثة أبعاد Three Dimensions
يُتيح الاستخدام الصحيح لهذا المفهوم للفنانين خلق وهم المسافة على سطح مستوٍ.
6 التركيز Focus
باعتبارها النقطة التي تلتقي فيها الخطوط المتعامدة، تجذب نقطة التلاشي انتباه عين المشاهد.

مسألة منظور
أدرك الفنانون الكلاسيكيون أن الأشياء تبدو أصغر كلما ابتعدت، لكنهم لم يمتلكوا المعرفة الرياضية اللازمة لتصوير ذلك بدقة. وغالبًا ما كانوا يحققون وهْم المسافة من خلال رسم الأجسام البعيدة فوق الأجسام القريبة، لكن هذا الأسلوب كان يبدو غير متناسق، وكانت الزوايا التي رُسمت بها الأجسام تجعلها تبدو مشوّهة ومضغوطة. في نحو العام 1415، ابتكر المعماري فيليبو برونليسكي Filippo Brunelleschi طريقة لتصوير المباني بدقة وفقًا للنسب المكانية الصحيحة، وهكذا وُلد المنظور الخطي Linear perspective. وفي العام 1435، وسّع ليون باتيستا ألبرتي Leon Battista Alberti هذه الأفكار في أول كتاب عن نظرية الفن بعنوان عن التصوير De Pictura، وازدادت دقة فنون عصر النهضة باتباع هذه القواعد المستندة إلى علم الهندسة. وبعد قرن من الزمن، تطوّر منظور النقطتين، مما أتاح للفنانين رسمَ الأجسام بزوايا مائلة بالنسبة إلى المشاهد بشكل أكثر واقعية.
أصبح المنظور الخطي هو القوةَ المهيمنة في الرسم حتى القرن التاسع عشر، حين دفع اختراع الكاميرا وما توفره من منظور مثالي الفنانين إلى الابتعاد عن الواقعية، والتجريب في التراكيب الإبداعية والأشكال المشوّهة. اكتشف الفنانون المعاصرون طرقًا جديدة للتلاعب بالمنظور لخداع الدماغ، كما يظهر في فن الشوارع الثلاثي الأبعاد، حيث تُستخدَم أحجام العناصر ومواقعها لخلق وهم العمق، وكأن العمل الفني يقفز من الرصيف عند النظر إليه من نقطة معينة.

التحول إلى الرقمية
يُعَدّ فن الوسائط الجديدة New Media Art مصطلحًا جامعًا يُطلَق على الممارسات الفنية المعاصرة التي تُجري تجارب باستخدام التقنيات الناشئة. بدأ هذا الاتجاه في ستينيات القرن العشرين، عندما شرع الفنانون في استكشاف استخدام الفيديو كشكل فني. وكان أول من استخدم الحاسوب هم العلماء والمهندسون الذين تلاعبوا ببرمجياته المبكرة لإنشاء أنماط بصرية ورسومات. وبحلول أواخر ثمانينيات القرن العشرين، طُوِّرت برامج حاسوبية مخصصة للرسم والنمذجة الرقمية. كما أتاح ظهور أجهزة جديدة مثل الأجهزة اللوحية والأقلام الذكية سهولة الحمل والاستخدام، بينما قدَّمت الطباعة الثلاثية الأبعاد طريقة مبتكرة لصنع المنحوتات. ويُعَدّ الفن التوليدي Generative Art أحد أحدث التطورات الفنية، إلا أن استخدام الذكاء الاصطناعي أثار مخاوف تتعلق بحقوق التأليف والإبداع الفني.
ما رأي الفنانين في الذكاء الاصطناعي؟

سألنا جوانا كوري، وهي فنانة تشكيلية تمتلك معرضًا فنيًا في جزيرة وايت، عن تأثير التقنيات الجديدة في الفنانين العاملين
ما أفكارُك حول صعود الذكاء الاصطناعي في الفن؟
على مرّ التاريخ، كثيرًا ما واجه الفنانون تصريحات من قبيل «الرسم قد مات»، ليشهدوا لاحقًا عودة هذه الممارسات من جديد. وفي فعالية ركّزت على الذكاء الاصطناعي نظمناها في العام الماضي، وترافقت مع معرض يضم تطبيقات متنوعة للذكاء الاصطناعي في الفنون، تبيَّن أن المختصين في التكنولوجيا كانوا أكثر قلقًا من احتمال أن يحلّ الذكاء الاصطناعي محلَّ الفنانين مقارنةً بالفنانين أنفسهم. يرى عديد من الفنانين أن الذكاء الاصطناعي أداة إضافية تتيح إمكانيات ووظائف فريدة ضمن الممارسة الإبداعية. وفي حين يتفوَّق الذكاء الاصطناعي في توليف وإعادة تفسير الأعمال الموجودة بأشكال متعددة، فإن هذا يدلّ على أن هناك مساحة كبيرة لا تزال متاحة للفنانين البشريين لتقديم إبداعات مبتكرة وأصيلة بحق.
كيف تساهم التكنولوجيا في توثيق عمل فني؟
تشمل التقنياتُ الناشئة في توثيق الأعمال الفنية التصويرَ بالأشعة تحت الحمراء، والتصوير الشعاعي بالأشعة السينية، وتتبع الأصل الرقمي Digital Provenance Tracking. يُعَدّ التصوير بالأشعة تحت الحمراء طريقة غير تدخُّلية تلتقط طيف الضوء تحت الأحمر للكشف عن التغييرات والرسومات التمهيدية المُخفاة في الأعمال الفنية. يساعد هذا الأسلوب على كشف التزوير الفني، حيث يقلّد أسلوب أو تقنية فنان معين، وكذلك في اكتشاف التعديلات الخفية التي أُجريت على العمل الفني. أما التصوير الشعاعي بالأشعة السينية، فيُستخدَم لتحديد الفروق في الكثافة والمواد وأي تغيرات أدخلت على العمل الأصلي، وهو مفيد لتحليل اللوحات والمنحوتات وكشف التواقيع المُخفاة، والرسومات الأولية، والطبقات الزائدة من الطلاء.
يُتيح تتبُّع الأصل الرقمي للمهنيين في مجال الفنون متابعة تاريخ العمل الفني منذ لحظة إنشائه وحتى وضعه الحالي. باستخدام تقنيات مثل البلوك تشين Blockchain، يمكن تخزين كل عملية بيع أو تغيير في الملكية أو سجل العرض بنحو آمن والوصول إليه بسهولة. كما تحلل خوارزميات التعلُّم الآلي كميات كبيرة من بيانات الأصول، مما يساعد على اكتشاف الأنماط والتناقضات المحتملة، وبالتالي كشف الوثائق المزورة المتعلقة بأصل العمل أو تنبيه الخبراء إلى وجود اختلافات تستدعي مزيدًا من المراجعة.
ما العوامل النفسية المكتنفة في استمتاعنا بالفنون؟
تشير عديد من الدراسات البحثية إلى أن الفن الذي يقدِّره الناس غالبًا ما يرتبط بمشاعرهم. فالأعمال الفنية الشائعة تحتوي في كثير من الأحيان على عناصر تعكس الحالات العاطفية للآخرين، مما يُثير مشاعر مشابهة لدى المتلقي من خلال التعاطف Empathy. لا يشترط أن يكون الموضوع عاطفيًا بشكل مباشر؛ إذ يمكن للألوان، والأشكال، والملمس، والإضاءة، والمقاطع الصوتية، والعناصر السمعية أن تُثير مشاعر داخل العمل الفني، خاصة عندما تتأثر بالسياق الثقافي.
ابتكارات فنية
العصور القديمة
في النحت البارز، تُنقش الأشكال على سطح لتبرز من خلفية مستوية. ابتكرت هذا الشكل الفني حضارات قديمة حول العالم، ولا يزال مستمرًا حتى يومنا هذا.
القرن السابع
كان الفنانون قد جربوا استخدام الأصباغ الزيتية قبل هذا القرن، لكن أقدم الأعمال الباقية حتى اليوم هي جداريات بوذية في أفغانستان رُسمت باستخدام زيت بذور الخشخاش Poppy Seed Oil.
القرن العاشر
تُعَد نوافذ الزجاج الملوّن مشهدًا رائعًا، خاصة عند إنارتها من الخلف. وقد كانت تُصنَع عن طريق لحام قطع الزجاج الملوَّن معًا لتشكيل صور فنية.
1440
أتاح اختراع آلة الطباعة إنتاج الأعمال الفنية بكميات كبيرة. حيث كانت التصاميم تُنقش على اللينوليوم Lino أو الخشب وتُغطّى بالحبر، ثم تُطبَع مرارًا على الورق أو القماش.
القرن الخامس عشر
تحسنت الأصباغ الزيتية باستخدام زيت بذور الكتان Linseed Oil كمادة رابطة. وبفضل الأصباغ المطوَّرة، اكتشف الفنانون الفلمنكيون Flemish Artists تقنياتٍ جديدة أتاحَت لهم إبراز تفاصيل أدق وسطوعًا أكبر وعمقًا أوضح لإثراء أعمالهم الفنية.
![]()
1513
اختُرع الحفر Etching، وهو عملية تستخدم الحمض لنقش لوحة معدنية، مما يُنتج قالبًا يمكن تغطيته بالحبر ومن ثم طباعته. يمكن استخدام هذا القالب لإنتاج نسخ عديدة من الصورة المحفورة.
1822
قبل اختراع الكاميرا، لم يكن في الإمكان إنشاء صور واقعية إلا على يد رسامين محترفين. وبحلول ثمانينيات القرن التاسع عشر، بدأ المصوِّرون يجربون التراكيب الجمالية والأساليب الفنية في صورهم الفوتوغرافية. 1513 اختُرع الحفر Etching، وهو عملية تستخدم الحمض لنقش لوحة معدنية، مما يُنتج قالبًا يمكن تغطيته بالحبر ومن ثم طباعته. يمكن استخدام هذا القالب لإنتاج نسخ عديدة من الصورة المحفورة.
1841
ألغت أنابيب الطلاء المعدنية الحاجةَ إلى خلط الأصباغ داخل المرسم، كما حافظت على محتواها بشكل جيد. وبفضل سهولة حملها، بدأ عديد من الفنانين يمارسون الرسم خارج الأماكن المغلقة.
1934
اخترع الكيميائي أوتو روم Otto Röhm الراتنج الأكريليكي acrylic Resin، وبحلول العام 1940 أصبح يُستخدَم في صناعة الطلاء. يجفّ الأكريليك بسرعة أكبر بكثير من الصُّبغ الزيتي.
1962
باستغلال التكنولوجيا الحديثة، بدأ الفنانون في تجربة الفيديو كشكل فني. يختلف هذا النوع عن السينما، على الرغم من أن الأفلام تُعتبَر أيضًا من الفنون البصرية.