أحداث تاريخية

سبب رحيل العالم “البيروني” إلى إمارة جُرجان

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

رحيل البيروني الى جرجان البيروني أحداث تاريخية المخطوطات والكتب النادرة

الرحيل .. إلى جُرجان

أذ كان البيروني في بُخاري، وفد على البلاط السَّاماني الأمير شمس المعالي "قابوس بن وشكمير" أمير دولة الزياريين جنوبي بحر قزوين .

كان الأمير طريداً من عاصمة إمارته جُرجان بعد أن قام قوِّاد جيشه بتمردٍ ضدَّه . وجاء شمس المعالى إلى بُخاري يستعين بالمنصور لإمداده بجيشٍ يعود به منتصراً إلى عاصمة بلاده، فحقَّق له الملك غايته

وانتهز الأمير الفرصة، وهو في بُخاري ، وبعد أن حضر مجلساً للعلماء استمع فيه إلى آراء علمية من البيروني وابن سينا ، فانفرد بهما وأخذ يغريهما بالسفر معه إلى جُرجان؛ ليقيما في بلاطه ورعايته ، لكن الاثنين اعتذرا له وفاءً لآل سامان .

 

وظل البيروني مقيماً مع صديقه ابن سينا في بُخاري يقرأ ويدرس ويرصد ويجادل ويناظر ويؤلف الكتب . ولكن لم تتَّصل إقامة البيروني في بُخاري ، فقد توفيَّ المنصور الثاني ، وبدت على الدولة السَّامانية من بعده أعراض الضعف والإنهيار ، وناوشها بالحرب أمراء الإمارات في خراسان (أفغانستان الآن) ، وتمكن الأمير "سُبْكتكين" أمير غزنة ( كابول الآن ) من إنشاء الدولة الغزنوية بخراسان، وأخذ يمد سلطانه مع ابنه محمود إلى بخاري والجُرجانية والهند ، بالحرب حيناً وبالسلم أحياناً .

وتشاور الصديقان : البيروني وابن سينا، وتذكَّرا دعوة الأمير شمس المعالي لهما ، فسارعا بالرحيل مع أهليهما إلى جُرجان .

 

الفرار إلى الجُرجانية

رحَّب الأمير شمس المعالي بالعالمين الشابين في قصره بجرجان، وكان البيروني قد بلغ من العمر إحدى وثلاثين سنة، والحقهما كعالمين في ببلاطه .

وفي بلاط جُرجان تعرَّف البيروني على العالم الكبير " أبو سهل المسيحي " ، كما أنجز تأليف كتاب في التاريخ بعنوان " الآثار الباقية من الأمم الخالية "  وأهداه إلى الأمير شمس المعالي ومعه رسائل ثلاث: الأولى عن الحساب العشري ، والثانية في الرصد الفلكي، والثالثة عن الاسطرلاب الذي يعرف الفلكيون بواسطته ارتفاع النجوم والكواكب .

 

وفي العام نفسه تمكن البيروني من رصد خسوفين للقمر ، وهدته حساباته الفلكية إلى حدوث خسوف آخر للقمر في يونية بالجرجانية ، فاستأذن الأمير وسافر إليها حيث تمكن من رصد الخسوف المرتقب.

كان الأمير "المأمون بن المأمون" قد تولى عرش الدولة الخُوارزمية بعد أبيه ، فاستدعى البيروني إليه ورحَّب به ، وطلب منه أن يعرف له درجة خط الطول الأرضي في مكان محدَّد يقع بالأراضي الصحراوية شرقي بحر قزوين ، فشرع البيروني في تنفيذ طلب المأمون، لكنه ما لبث أن توقف عن إتمام عمله حين بلغه عدم رضى الأمير شمس المعالي عن خدمته العلمية للأمير المأمون.

 

ولم يكد البيروني يسعد بحسن الصحبة مع ابن سينا وإبي سهل في جُرجان فاجأه كلاهما بعزمه على الرحيل على جُرجان إلى همذان. فقد دُعي ابن سينا من الأمير شمس الدولة إلى همذان ليكون رئيساً لوزرائه !

وعبثاً راح كلاهما يحاول إقناع البيروني بالسفر معهما إلى همذان . فالدولة الزيارية على وشك الانهيار ، وقادة الجيش يتمردون مرة أخرى ضد الأمير شمس المعالي .

كان البيروني لا يريد أن يفارق مواطن أحبها شرقي بحر قزوين وجنوبه، ومن ثم ودَّع صديقه على وعدٍ بالتراسل والتواصل العلمي.

 

وجاءت الرسالة الأولى .. من ابن سينا من همذان تحمل للبيروني نبأ وفاة العالم الكبير أبو سهل وهما في الطريق بالصحاري الفسيحة إليها ، فحزن عالمنا لوفاة صديقه حزناً شديداً .

وفي جُرجان عاش البيروني سنوات سبعاً ، نشبت بعدها ثورة عسكرية أطاحت بعرش شمس المعالي وقضت على حياته ، ولم يجد البيروني – والحال كذلك – بُدَّاً من الفرار مرة أخرى – إلى أين؟ إلى الجُرجانية : العاصمة الجديدة للدولة الخُوارزمية .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق