البيئة

الوسائل التي اخترعها الإنسان لاختراق أعماق البحار واكتشاف الحياة تحت سطح الماء

1997 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الثامن

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

وسائل اختراق أعماق البحار البيئة علوم الأرض والجيولوجيا

يغطي الماءُ اكثرَ من ثلثي مساحةِ كوكب الأرض، ولذلك يُطلقُ عليها أحياناً كوكب الماء.

ومنذ قديمِ الزمانِ نظرَ الإنسانُ إلى السماءِ، وشاهدَ الكواكبَ والنجومَ وسارَ على هَديِها بالليل، واهتم حديثاً بالصعود إلى الفضاءِ حتى وصلَ إلى القمرِ، وأصبحَ الفضاءُ مسرحاً للآلافِ من الطائراتِ والأقمار الصناعيةِ وغيرها، تعملُ في خدمة الإنسان. ومنذُ فجرِ التاريخ تطلَّعَ الإنسانُ إلى البَحرِ، ولكن الرؤية كانت محدودةً بأمتارٍ قليلةٍ.

وقد دفعَ حب الاستطلاع الإنسانَ إلى الغوصِ في أعماقِ البحرِ لكشفِ أسرارِهِ، واستغلالِ موارِدِهِ من المرجان واللؤلؤ والأسماكِ والربيان.

 

وتشيرُ كتبُ التاريخُ إلى نزول الإسكندر الأكبر في جزيرةِ فاروس بالإسكندريةِ داخلَ وعاءٍ زجاجيٍ ليشاهدَ مخلوقات البحر.

وعَبر السنين غرق الكثير من الموانئ القديمة والمدن الساحلية، كما غرقت سفن كثيرة محمّلة بالكنوزِ والثرواتِ من فضةٍ وذهبٍ وعاجٍ في الكوارث البحرية، أو على أيدي القراصنةِ.

ولذلك اهتم الإنسانُ بالحياةِ تحت سطحِ الماء لأداءِ مهامٍّ حرفيةٍ، مثل فحص المراكب أو إقامة الأرصفةِ البحريةِ وغيرها من المنشآت البحرية، أو للأغراض العلمية للتعرفِ على الأحياء المائية في بيئتها الطبيعيةِ، أو لأغراض عسكرية مثل تخريب معداتِ العدو، أو لانشال السفن والكنوز الغارقة، أو لهوايات الغطس والتصوير تحت الماء.

 

وفي سبيلِ ذلك، كان على الإنسان أن يتغلبَ على عدد من الصعوبات في سبيل الحياةِ تحتَ سطحِ الماءِ، وفي الغوصِ في أعماقِ البحرِ، حيثُ لا يتوافرُ الهواء الجوي اللازم للتنفُسِ.

ومع الهُبوطِ في العمقِ يزدادُ الضغطُ زيادةً كبيرةً (بمعدل ضغط جوي واحد كُلَّ عشرةِ أمتار)، وتنخفضُ درجةُ الحرارةِ، كذلك يسود الظلامُ الدامس في الأماكن العميقة لأن أشعةَ الشمسِ لا تنفذُ إلاَّ إلى الطبقات العُليا من الماء التي لا تتجاوزُ 200 متراً. حيث تتركزُ الأحياءُ المائيةُ.

وعبرَ السنين كان على الإنسانُ مواجهةُ الصعوباتِ، واختراعُ وتصنيع الوسائل التي تعاونه على الحياةِ في الماء.

 

وفي محاولاتِه المُتتاليةِ ومع درجات التقدم، تطورت أدوات الغطس والحياةِ تحت سطحِ الماء، فبعد أن كان يغوص، أو يتم إنزالُهُ بمفردِهِ داخل ناقوسٍ أو بدلةِ غطسٍ أو كرةٍ حديديةٍ، اختُرِعت الرئة المائية، فأصبحَ الإنسانُ حُرَّ الحركةِ لمدةِ ساعةٍ أو ساعتين أو اكثرَ في طبقاتِ الماء العليا.

ثم اخترع الإنسانُ الغواصةَ والمعاملَ البحريةَ لتحمل عدداً من الأفراد لأعماقٍ أكبرَ، وامتدت رحلةُ المعيشةِ أياماً أو أسابيعَ أو أشهراً تحت الماء، واتسعت المركبةُ لتسوعِبَ الأجهزةَ والماءَ والطعامَ والأكسجين وكل حاجاتِ الإنسانِ.

وكان سكان تلك المنازلِ يراقبونَ الأحياءَ البحريةِ من خلالِ نوافذ زجاجيةٍ، أو يخرجونَ للتجوال في المنطقةِ القريبة باستخدام الرئةِ المائيةِ.

 

وفي مقدمة الوسائل التي اخترعها الإنسانُ لاختراق أعماق البحار والحياة تحت سطح الماء مايلي:

– بدلة الغطس:

ففي عام 1934 اخترع عالمٌ امريكي، يُسمى نوركروس، بدلة تحتوي الغطاسَ بأكمَلِهِ، ويُزوَد الغطاسُ بالهواءِ من مركبٍ عائمٍ بواسطة خرطومٍ.

وقام عددُ من الخبراء بتطوير بدلة الغطس، واستُخدِمتْ مدةً طويلة لإنقاذ مُخلفاتِ السفن الغارقةِ في المياه الضحلة.

 

– كرةُ الأعماق:

في عام 1934 صمَمَّ عالمان أمريكيان، وأحدُهما مهندسٌ يُدعى أوتيس بارتون، والآخرُ عالم في الأحياء البحرية يُدعى الدكتور وليام بيبي، كرةً معدنية تتحملُ ضغوطاً عاليةً، بها نافذةٌ من البلور السميك مُحكمة القفلِ، ليَهبِطا بها إلى قاع البحرِ على أغوارٍ بعيدة، وليدرسا طبيعةَ الأحياءِ الموجودةِ هناك.

والكرة مصنوعةٌ من قطعة واحدةٍ من الصلب قُطرها نحو مترٍ ونصف متر، وتزنُ حوالي 2250 كيلوجراماً .

وسُمكُ جدارِها ثلاثةُ سنتيمتراتٍ. ولها بابٌ من الصلب يزنُ وحدهُ 180 كيلوجراماً، وهي مزودةٌ من الداخل بأسطواناتِ الهواء اللازمةِ للتنفس، وبها موادّ تمتصُ الرطوبةَ، ولها مقعدانِ يجلسُ عليهما العالمان متقابليْن لمشاهدةِ أغوارِ البحرِ حولَ الكرةِ من خلال ثلاثِ نوافذَ من البلور.

 

ونظراً لقلةِ الضوء تحت سطحِ الماء، فقد زُوِّدت الكرةُ المذكورة بالكشافات الكهربائية لتنير جوف البحرِ من حولِها. ونجحت التجربةُ، وهبط العالمانِ عام 1934 إلى عمقِ حوالي 910 أمتارٍ بالقربِ من جزيرةِ برمودا.

ويصفُ بيبي ما رآه من حولِهِ في ظلمات البحر بقوله: «عندما كنا نغوصُ بالكرةِ كانت الحيوانات الفسفوريةٌ تلمعُ وتختفي أمامَ ناظرِنا ببريق خاطف سريع ، فكأنما نحن في ليلٍ حالكٍ، لا قَمَر فيه، تلمعُ نُجومُه، وتتهاوى في سمائهِ الشهبُ..»

 

– الرئةُ المائيةُ :

في عام 1933، ومع ازدياد الرياضاتِ البحريةِ، صمم ضابطٌ بحريٌ فرنسي، يُسمى إيف لي بريير، جهازاً للغوص الذاتي، وبدأ في تصنيعهِ تجارياً لازدياد جماعات هواةِ الغطس.

وهو يتكونُ من أسطوانة من الصلب بها هواء مضغوط تحمل على ظهر الغواص وتتصل بقناع على الوجهِ بواسطةِ خرطومِ هواءٍ، مزود بصمام يتحكم بواسطتِه الغواصُ في الهواء المتناسب مع زيادة ضغط الماء المحيط، ولم يمكن استخدامُ الجِهاز بأمانٍ إلا في المياه الضحلةِ.

كانت الاسطوانة تتيح للغواص قضاءَ زمنٍ قدرُهُ 30 دقيقة عند عمقِ 30 قدماً و 20 دقيقة عند عمق 33 قدما، و10 دقائق عند عمق 40 قدماً.

 

وفي عام 1943، ورغبةً في الوصول إلى أعماقٍ أكبرَ قام الكابتن جاف إيف كوستو، من البحرية الفرنسية، والمهندس إميل جانيان، بتطوير جهاز لي بريير بتطوير المنظم، وقد انتهى ذلك إلى الرئة المائية المتطورةِ التي تُستخدَمُ الآن بواسطةِ آلافِ الغواصين في شَتَّى أنحاء العالم.

ولذا أُطلِقَ على كوستو أسماءُ كثيرةٌ منها «الرجلُ السمكة» أو «أبو الغوص».

واستطاع الغواصون الوصول إلى أعماق أكبر، والبقاء لفترات أطول، كما وَفَّرتِ الرئةُ المائيةُ حريةَ الحركةِ من مكانٍ إلى مكان تحت سطحِ الماء.

 

– الغائصات والمعاملُ المائية:

وازداد اهتمامُ الإنسان في أوائل خمسينات هذا القرن، حينما اكتشف أن الرصيف القاري يحتوي على ثرواتٍ معدنية وبتروليةٍ تفوقُ كثيراً ما يوجدُ على الأرضِ اليابسةِ.

وقد بدأت نظرياتُ وأفكارُ الإنسان تتجه إلى كيفية المعيشة تحت الماءِ مع بداية الستينات، فتم صناعةُ سلسلة معامل أبحاث كوستو، التي أُطلق عليها كونشلف (نسبة إلى الرصيف القاري).

وقد أنزل كوستو أولَ كونشلف في سبتمبر سنة 1962 في جزيرةٍ تقع على مقربةٍ من ميناء مرسيليا، ثم أعقبهُ كونشلف (2) في البحرِ الأحمر أمامَ سواحلَ السودانِ.

 

كذلك قام بإنزال "المنزلُ النجمي" في البحر الأحمر، حيث عاش خمسةُ أشخاصٍ لمدةِ شهرٍ على عمقِ 36 قدماً.

وتعاقبت بعد ذلك العديدُ من التجارب والمعامل التي قامت جهاتٌ رسمية بالإنفاق عليها وتنفيذِها، مثل سلسلة معامل الماء (1-3) بواسطة البحرية الأمريكية، وكذلك تجارب الاتحاد السوفيتي وألمانيا، وقد كان لهذه التجارب أهدافٌ عمليةٌ واقتصاديةٌ وعسكريةٌ.

وبفضلِ التقدم العلمي زادت معلوماتُنا عن طبيعة البحر وأحيائه المتنوعة في بيئاتِه المختلفة.

 

فيعيشُ في البحر مئاتُ الآلاف من أنواع الكائنات الحية النباتية والحيوانية، منها ما هو ضئيلُ الحجمِ يُمكنُ رؤيتُهُ بالمجهر فقط، ومنها كبيرُ الحجمِ مثلُ الحوتِ الأزرق الذي قد يصل طولُه إلى أكثر من 10 أمتار.

ومنها ما يعيشُ مُلتَصِقاً في القاع، مثل النباتات والإسفنج، أو على القاع، مثل القشرياتِ والحيوانات الرخوةِ وأسماك القاع، وكلها تُكَوَّن أحياءَ القاع، ومنها ما يعيشُ طليقاً حُرَّ الحركةِ، مثل معظمِ الأسماك والدلافين والحيتان.

والغالبيةُ العظمى من الحيوانات والنباتات الهائمةُ أو العوالق مجهرية الحجم، وليست حرة الحركةِ، بل تنقُلُها التياراتُ المائيةُ والأمواجُ.

 

وعلى الرغمِ من أن الضغوط رهيبةٌ في الأعماق، اكتشف العلماءُ أنواعاً غريبةً من الكائنات الحيةِ التي تكيفت مع هذه الضغوط العالية، وتأقلمت مع حياةِ الظلام، فهي لا تستطيع أن تصعدَ إلى الطبقات السطحية. ولهذه الكائنات أشكالُ مثيرةٌ، وطرقٌ غريبةٌ، وتحملُ على أجسامِها مصابيحَ تُنير لها الظلام.

وفي المياه الدافئة توجدُ الشّعابُ المُرجانية قربَ سطح الماء، وهي تكوينات تشبه الصخر، تتكونُ من الهياكيل الجيرية التي تتراكم نتجية نُمو مستعمراتٍ من ملايين الحيوانات المُرجانيةِ التي تنتشرُ في البِحارِ الدافئةِ، مثل البحرِ الأحمر، وفي المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، وفي المناطق الضحلةِ الرائقةِ المياه عادةً، بعيداً عن مصبات الأنهارِ.

وتعتبرُ الشعابُ المرجانية بيئةً صالحة لحياةِ العديد من الحيوانات، كالديدان والرخويات والأسماكِ وغيرها، حيث تحصل على الغذاء والحماية. وتتميز الشعاب المرجانية وأحياؤها بجمالها الخلاب، وألوانِها الفريدة.

 

فهي بذلك آيةٌ من خلقِ الله، لا يُدركُ جمالَها إلا من واتته الفرصةُ لمشاهدتِها تحت سطحِ الماء؛ ولذلك يقصدُ السياحُ مناطِقَ الشعاب المرجانية للاستمتاع بهذه الحدائق الحيوانية البحرية الجميلةِ.

وحتى ينقل الإنسانُ صورَ الحياةِ تحتَ سطحِ الماء، قام بتطوير عملياتِ التصوير، فكان أن أقبلت محطات التلفاز في العالم على الأفلام الخاصةِ بالأحياءِ البحرية في بيئتها الطبيعية، والحياةِ تحتَ سطحِ الماء. وعلى العموم سوف يستمرُّ الإنسانُ في تطويرِ معداتِهِ للحياة تحت سطح البحر، أو للكشف عن أسرارِه والاستفادة من خيراتِهِ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق