علم الفلك

السدم

2013 أطلس الكون

مور ، السير باتريك مور

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

علم الفلك

السدم

عندما أصدر ميسيه فهرسه عام 1781 ضم فيه نوعين من السدم- النوع الأول الذي بدا وكأنه مكون من المواد الغازية، والنوع الثاني كأنه مكون من النجوم. كان ويليام هيرشل من أوائل من لاحظوا فرقا قاطعا بين الفئتين وقال في عام 1791 عن سديم الجبار: “سأغامر في القول بإن حكمنا على السحاب السديمي هو أنه ليست طبيعته نجمية”.

ظهر الدليل عام 1864 عندما وجد السير ويليام هاجنز (Sir William Huggins) الفلكي البريطاني الرائد في استخدام المطياف أن طيف السدم الساطعة أظهر خطوطا انبعاثية في حين أن الأجسام النجمية مثل M31 في المرأة المسلسلة أظهر خطوط الامتصاص المألوفة. ولكن هناك أيضا فئتين أخريين من الأجسام التي علينا أخذها في الاعتبار وبالأخص M1 الذي يتصدر قائمة ميسيه والذي قد أثبت أنه من بقايا مستعر أعظم إذ شاهد الصينيون حطام النجم عام 1054. وأطلق عليه اسم سديم السرطان أيرل روس (Earl of Rosse) عندما شاهده بمقرابه العظيم الذي يبلغ قطره 183 سنتيمتر (72 بوصة) في منتصف القرن التاسع عشر. وسديم غم في كوكبة الشراع (خريطة 19) هو أيضا من بقايا مستعر أعظم وقد سمي على الفلكي الأسترالي الراحل كولين غم (Colin Gum). وفي هذه الحالة استمر المستعر الأعظم في التوهج خلال عصور ما قبل التاريخ ولا بد أن سطوعه كان استثنائيا آنذاك.

والسدم الكوكبية لا علاقة لها بالكواكب وليست سدما حقيقية، فهي نجوما مُسِنة متقدمة جدا في تطورها قد تخلصت من طبقاتها الخارجية. وتشع هذه الطبقات الخارجية الملقاة بسبب الإشعاعات فوق البنفسجية المنبعثة من النجم المركزي الحار جدا (قد تصل درجة الحرارة على سطحه إلى °100,000 مئوية) وهو متقدم في مراحل تطوره إلى أ ن يصبح قزما أبيض. كل السدم الكوكبية تتمدد وبالنسبة للتوقيت الكوني فإن مرحلة السديم الكوكبي للنجم تعتبر وجيزة جدا. وأشهر عنصر من هذه الفئة هو M57 سديم الحلقة في كوكبة السلباق (خريطة 8) والذي يسهل تحديد موقعه بين النجمين المرئيين بالعين المجردة بيتا و جاما السلباق، وعندما يشاهد بالمقراب يظهر على شكل إطار صغير متألق له نجم مركزي خافت (مع أن الأبحاث الأخيرة تقترح إمكانية كونها فصا مزدوجا بدلا من حلقة). تكون السدم الكوكبية الأخرى أقل انتظاما، مثل M27 سديم دمبل في كوكبة الثعلب (خريطة 8) والذي اكتسب اسمه من شكله، في حين أن السديم الآخر الخافت نوعا ما هو M97 الموجود في كوكبة الدب الأصغر (خريطة 1) ويسمى سديم البومة لأن فيه نجمين يبدوان وكأنهما عينان في وجه بومة.

تتكون السدم الحقيقية أساسا من الهيدروجين ومادة يمكن أن تسمى ’بالغبار’، وتسطع السدم بسبب النجوم التي تكون داخلها أو قريبة جدا منها ولكن ضوءها أحيانا ما يكون مجرد انعكاس كما هو الحال مع السحب السديمية في الثريا (M45)، ولكن في الحالات الأخرى تدفع النجوم شديدة الحرارة السحب السديمية إلى إصدار قدر معين من التألق على حسابها الخاص وبهذا تتكون المناطق التي يُطلق عليها H II. وهذا هو ما عليه سديم الجبار M42 في سيف الجبار (خريطة 16) حيث النجوم المتألقة هي عناصر المنظومة المتعددة ثيتا الجبار أو المَعين المنحرف. يبلغ عرض سديم الجبار تقريبا 30 سنة ضوئية ويقع على بعد 1500 سنة ضوئية، فلو تمكن أحد من أخذ عينة منه قطرها 2.5 سنتيمتر (1 بوصة) لوصل بالكاد الوزن الكلي للمادة المجمعة لما يعادل عملة معدنية صغيرة (تقريبا 3.5 غرام، 0.12 أونص). ومع كل هذا فإن سديم الجبار هو مكان لولادة النجوم الجديدة، حيث تتكون النجوم الجديدة من المادة السديمية، فهو يحتوي على العديد من النجوم الشابة من T الثور والتي لم تصل بعد إلى التتابع الرئيسي وهي متغيرة بشكل غير منتظم، وفيه أيضا من النجوم الهائلة القوة التي لا يمكننا رؤيتها أبدا ولكن باستطاعتنا الكشف عنها لأن إشعاعاتها دون الحمراء لم يحجبها الغبار. وهكذا هو جرم بكلين-نوجيباور (BN)، مع أنه شديد التألق فإنه لن يعيش لمدة كافية تُمكنه من خرق ثقب في السحاب السديمي ليتمكن الضوء من العبور فيه. وهو في الواقع ليس إلا جزءا صغيرا جدا من سحابة جزيئية هائلة تغطي تقريبا كوكبة الجبار كلية.

توجد سدم أخرى تقع ضمن مجال الرؤية للمقاريب الصغيرة، لدينا مثلا سديم الهور (M8) في كوكبة الرامي الذي يسهل رؤيته بالمنظار، والسديم ثلاثي الشعب (M20) الذي يظهر صفوفا داكنة من المادة الحاجبة (خريطة 11). وبالفعل فإن سديم أمريكا الشمالية (NGC7000) في كوكبة الدجاجة يعطي انطباعا بشكل قارة أمريكا الشمالية. فهو بالكاد مرئي بالعين المجردة ويظهر كأنه جزء من درب التبانة أكثر سطوعا، ويمكن التعرف على شكله جيدا باستخدام منظار قوي. فعرضه تقريبا 50 سنة ضوئية وتُنسب أغلبية تألقه إلى الذنَب (ألفا الدجاجة) والذي يفوق تألقه 250,000 ضعف تألق الشمس. وبعض السدم ضخمة جدا مثل سديم العنكبوت (NGC2070)، ويسمى أيضا 30 أبو سيف، في سحابة ماجيلان الكبرى، ولو كان هذا السديم يبعد عنا بنفس المسافة التي عليها M42 بدلا من مسافته التي تساوي 169,000 سنة ضوئية، لغَمَرَنا بظلاله. وترتبط بعض السدم بالنجوم المتغيرة فيختلف بذلك مظهرها، وهذا هو حال السدم المرتبطة بنجوم T الثور و R وحيد القرن و R الإكليل الجنوبي.

لو لم تتم إضاءة السحب السديمية بنجم ملائم فإنها لن تشع والسبب الوحيد الذي سيمكننا من كشفها آنذاك هو حجبها للضوء المنبعث من الأجسام من ورائها لأن فيها كمية كافية من الغبار لفعل هذا. )فهي ليست ’ثقبا في السماء’ كما وصفها ويليام هيرشل في وقت ما.( أفضل مثال على ذلك هو سديم الغرارة في كوكبة الصليب الجنوبي (خريطة 20) القريب من ألفا و بيتا الصليب الجنوبي، وهو عبارة عن منطقة خالية من النجوم يسهل رؤيتها بالعين المجردة، أما السدم المعتمة الأخرى فهي أصغر منه، كسديم رأس الحصان بالقرب من زيتا الجبار (خريطة 16) ويوجد صدوعا معتمة في درب التبانة وبالأخص في كوكبة الدجاجة.

لا يوجد فرق بين السديم المعتم والساطع سوى انعدام التألق، وعلى حد علمنا فربما يوجد نجم ملائم على الناحية الأبعد من سديم الغرارة بحيث أننا لو نظرنا للسديم من نقطة مراقبة أخرى لرأيناه ساطعا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق