التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

التزام المهندس

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

يكافح المهندسون دائماً للنجاح، لكن الفشل قلّما يكون بعيداً عن أذهانهم. في حالة المهندسين الكنديين، فإن هذا التركيز على أخطاء كارثية محتملة في تصميم متجذّرة في فشل قد حدث منذ أكثر من قرن. في عام 1907 انهار جسر ذو أبعاد ضخمة، عندما كان قيد الإنشاء في كيبك، وقد توقّع المخطّطون أنه عندما يكتمل [الجسر]، سيكون المجاز الرئيسي – الذي طوله 1800 قدم للجسر الناتئ – قد سجّل رقماً عالمياً للجسور طويلة المجازات من جميع الأنواع، معظمها قد تحقّق بثمن باهض، وبحسب إحدى المعتقدات الخرافية، إن الجسر سيطالب بحياة شخص واحد لكلّ مليون دولار يصرف عليه، وفي الحقيقة، عندما حان الوقت لاكتمال الجسر نهائياً، في عام 1917، كان قد قضى ما يقارب 90 عامل إنشاء في مسار بناء هيكل كلفته 25 مليون دولار.

حصد انهيار عام 1907 لوحده حياة 75 عاملاً، وقد وقع الحادث لأن المهندس المصمّم لم يتوقّع بشكل مناسب، أو يحتسب بشكل صحيح، وزن الهيكل؛ ولأن المهندس المقيم لم يلتفت للتنبيهات بأن الفولاذ قد تعدّى متانة الشدّ؛ وأن رئيس المهندسين الاستشاريين منح صلاحياته في غيابه، بشكل غير مناسب، لمهندسين صغار في العمر وقليلي الخبرة، ومن خلال إبقاء الأسباب والدروس المستقاة لفشل جسر كيبك راسخة في الذهن، ومن خلال الاحتفاظ بتذكير له بمتناول اليد مباشرة، فالمهندسون الكنديون اليوم أقل احتمالاً للوقوع في الخطأ نفسه في مكتب التصميم أو ساحة العمل، وفي هذه الأيام، يقوم إعداد متزايدة من المهندسين الأميركان بمحاكاة تقليد الكنديين، لكن للأسف لا يربط الأميركيون جهودهم بالفشل بشكل صريح، لا من خلال حادث معيّن ولا كمبدأ عام، لا نظرياً ولا عملياً، وليس داخل المدرسة أو خارجها.

كحال العديد من البرامج الهندسية المعتمدة من مدة طويلة، يعود تاريخ "المدرسة العلمية" لجامعة ييل (Yale’s “Scientific School”)، التي تطوّرت لتكون كلية في الجامعة للهندسة (School of Engineering) إلى منتصف القرن التاسع عشر، ومن بين تميّزات ييل الأولى هو منح أول درجة دكتوراه في الهندسة في أميركا عام 1863. فقد منحت لأول طالب دكتوراه هندسة، جوشيا ويلارد غيبس (Josiah Willard Gibbs) الذي أصبح بعد ذلك أحد أهم العلميين المميزين في البلد. حتى أطروحته حول شكل أسنان العجلات في الترس المهمازي (On the Form of the Teeth of Wheels in Spur Gearing) ربما أعطت إشارة صغيرة بأنه سيكون بروفسوراً في رياضيات الفيزياء في ييل، ومن خلال تطبيقاته للتيرمودينامكس في التفاعلات الكيميائية، وضع الأسس النظرية الأولية لحقل الكيمياء الفيزيائية. ساهم غيبس بشكل كبير في تطوير حقل علم الميكانيك الإحصائي، الذي يوحّد بشكل مفاهيمي الظواهر الميكانيكية والحرارية على مستوى القياس الجزيئي والماكروسكوبي، وبالتالي يربط المعرفة عن الذرات والجزيئات لإجمالي صفات المعادن، وفي أوائل القرن العشرين، اقترح غبس الاسم الأكثر تحديداً "التيرمودينامكس الإحصائي(Statistical Thermodynamics) للحقل الجديد نسبياً.

لكن الجذور المتميّزة لكلية الهندسة في ييل لم تحمها من الانتقادات؛ فنجاحاتها المبكرة لم تشفع لأخطائها اللاحقة، على الأقل في أذهان بعض الإداريين. في عام 1995 نشرت مجلة خريجي ييل مقالة عن إعادة بناء الهندسة في الجامعة المتميزة [الآيفي ليغ] (Ivy League University). وكان لهذا التطور أهمية إخبارية لأنه شكل تغييرا كاملاً ومفاجئاً للمؤسسة. في عام 1963، وخلال أوقات مالية صعبة، استبدل الرئيس كنغمان بروستر، جونير (Kingman Brewster, Jr.)، هيكل الأقسام الهندسية التقليدي في ييل من خلال تعزيز أقسامها تحت عنوان "الهندسة والعلم التطبيقي"، وبعد عقدين من الزمن، استهدف الرئيس بينو شميت (Benno Schmidt) الهندسة، من بين برامج أخرى، لإعادة هيكلة صارمة وتقليصات كبيرة في الكليات. وخشي عدد من المراقبين بأن الهندسة في ييل في طريقها إلى الاندثار، وكما حصل بعد ذلك، فقد أصبح شمت نفسه ضحية خطته، التي أدت إلى تسمية رئيس جديد، ريتشارد ليفين (Richard Levin)، الذي أعلن بدوره التزاماً مؤسسياً لإعادة بناء قيادة ييل في التعليم الهندسي والبحث، وصرّح ليفين بوضوح حول الأهمية الأوسع لقراره: "بينما التغير التكنولوجي يرسم العالم الذي نعيش فيه، يجب على الجامعة التي تهدف تعليم قادة أمتنا والعالم أن تنعش دراسة الهندسة والعلم التطبيقي"، ومن المثير التكهّن حول الظروف التي قد تكون قد ساهمت في سرعة عكس التوجه المفاجىء حول [تعليم] الهندسة في ييل.

عندما أعلن شميت تقشّف ييل في الهندسة، كان البروفسور المتميّز للفيزياء ومدير مختبر الهيكلية النووية، د. ألان بروملي (D. Allan Bromley) في إجازة طويلة، يخدم الحكومة في واشنطن العاصمة، حيث تمّ تعيينه كرئيس مستشاري العلم والتكنولوجيا في إدارة جورج دبليو. بوش. وبهذه الصفة، التقى بروملي بالعديد من المهندسين المؤثّرين، بعضهم ربما كانوا من خريجي ييل، لكن العديد منهم اعتقد عند لقائهم ببروملي أنه من طبيعة مماثلة، حتى إن لم يعرفوا شيئاً عن خلفيته ومعتقداته السياسية. التفاصيل الصغيرة التي أشرته كمهندس – وكندي على الأكثر كذلك – كان مؤكداً في صورته الملوّنة التي غطّت صفحة كاملة والتي رافقت مقالة في مجلة الخريجين.

لكن ما هو الشيء الذي رآه المراقبون العارفون في مظهر بروملي؟ ظهر بروملي في صورته مرتدياً زيّاً حديثاً فيما يبدو أنها سترة رياضية [بليزر] (Blazer) زرقاء داكنة فوق قميص مخطّط داكن مع أكمام وياقة بيضاء مقفلة برباط رقبة فراشي أحمر –  ألوان رآها المصوّر من دون شك صدىً دراماتيكياً للوحة التجريدية الكبيرة التي وقف بروملي أمامها. وأمام الخلفية البارزة، ظهر بروملي الأنيق صورة [معبرة] عن السيطرة والثقة الذاتية، مع رباط رقبته الفراشي معوّجاً بعض الشيء، وجيب الصدر الذي احتوى منديلاً مطوياً بشكل غير منتظم ناقض إلى حدّ ما النظرة الجدية التي على وجهه. يده اليسرى مخفية كلياً في جيب بنطاله، لكن يده الأخرى، ظاهرة بالقدر المناسب من كُم 

القميص لتوازنَ بياض المنديل، ماسكاً نظارته ذات الأطار المعدني، محددة بوضوح مقابل سترته الداكنة. كل ذلك قد يصف أي قائد واثق من نفسه واقفاً للتصوير، ولكن بإمساكه النظارات بهذا الشكل، يقلب بروملي ظهر يده إلى الخارج ليعرض على أصبعه الصغير الشيء الوحيد الذي يؤشر إلى كونه مهندساً: خاتم بينكي من الفولاذ غير قابل للصدأ. ومن المؤكد أن وجود هذا الخاتم جعل مهندسين آخرين في واشنطن أن يرون بروملي كأكثر من موظف سياسي حسن المظهر من الجانب العلمي من عالم العلم والتكنولوجيا، وهذا الخاتم المتواضع أطلق إشارة للقادة المهندسين العلميين أن بروملي سيقدر تأكيداتهم بأن بينو شميت ومعاملة ييل للهندسة كانت "مهينةً للمهنة" وأن شيئاً ما واجب عمله.

من الملفت أن بروملي قد أسّس شهرته على عمله ليس كمهندس بل كعلمي يحمل دكتوراه بالفيزياء النووية من جامعة روشستر (Rochester University)، وقد كان مرتبطاً بالتدريس والبحث في ذلك الحقل في ييل لعقود قبل ذهابه إلى واشنطن، وكما جاء جي، ويلارد غبس من العلم إلى الهندسة، كذلك بروملي – ويبدو أنه لم ينسَ ذلك أبداً، والحقيقة، أن الخاتم التي استعرضه بروملي [في الصورة] يُفسَّر من خلال جذوره الهندسية الكندية، ولد عام 1926 في قرية صغيرة في ويستميث (Westmeath) في شمال شرق أونتاريو [كندا] (Ontario). درس في جامعة كوينز في كينغستون، أونتاريو، وفي 1948 حصل على درجة البكالوريوس في فيزياء الهندسة من نفس كلية الهندسة، وبالإضافة إلى استلامه الشهادة، شارك مع زملاء له من صفّه في مناسبة خاصة، لم تحظ بإعلام كافٍ، عُرفت محلياً باحتفال الخاتم الحديدي لكنها سُميّت رسمياً "طقوس تسمية مهندس" (Ritual of the Calling of an Engineer). وفي الاحتفال، كان بروملي استلم "مسؤولية تسمية مهندس" وهو إعلان لمعايير مهنية وشرف، تدل على عُرف المرور (Rite of Passage) لا يختلف عن ذلك الذي يؤدّيه الأطباء عند تخرّجهم من كلية الطب.

بالرغم من أنه معروف بشكل عام كَقَسم هيبوقراط (Hippocratic Oath)، إلا أن العلماء يعتقدون أن هذا الإعلان الطبي الذي يعبّر عن الالتزام بالممارسات الأخلاقية مرتبط بشكل أقرب بأتباع فيثاغورس لا بأتباع هيبوقراط، وبغضّ النظر عن مصدره، فقد تمّ تكييف القَسَم عبر القرون ولأوقات وثقافات مختلفة، لكن بعض المراجع المرتبطة بتاريخ ومبادئ لا تتأثر بالزمن وتقاوم حتى في ترجمة القرن الحادي والعشرين. لذا، وحتى وقت قريب نسبياً، كان الأطباء المعاصرون يؤدّون قسم "أبولو الحكيم" (Apollo the physician) للالتزام به، ومن بين أمور أخرى أن، "لا يؤذي" و "لا يستخدم السكين" ما لم يكن "مدرّباً في هذه الحرفة". تعكس الشرائع الهندسية للأخلاق، التي ترجع لأوائل القرن العشرين الكثير من قَسَم الأطباء. بالأخص، الشرائع الأساسية لناموس الأخلاق للجمعية الأميركية للمهندسين المدنيين (Code of Ethics of the American Society of Civil Engineers) الذي يطالب الأعضاء "الالتزام الأقصى بسلامة، وصحة، وخير العموم" و "القيام بخدمات في مجالات الاختصاص فقط".

مثل هذه المبادئ متضمّنة في الالتزامات التي يقدمها المهندسون الكنديون ويرمز لها الخاتم الحديدي. الخاتم الذي تسلّمه الشاب بروملي في احتفال المهندسين الكنديين قد صُنع، من الحديد المطروق، وتصدأ عبر الزمن بشكل سيىء – وكما الحال بالنسبة لجيله – فاستبدله بخاتم من الفولاذ المقاوم للصدأ الذي كان يلبسه في صورة ييل. (حتى رموز الفشل يمكن أن تفشل!). صورة بروملي الناضج تبيّن ضيق الخاتم في خنصر اليد اليمنى، وتدلّ على أنه لم يخلعه كثيراً، إن لم يكن أبداً، ووجود الخاتم يدلّ أيضاً أن بروملي يستخدم يده اليمين ويستمرّ في التفكير بنفسه كمهندس، فالعادة أن يوضع الخاتم الحديدي في الأصبع الصغير لليد الذي يُعمل بها، فقط طالما يكون لابسه جزءاً من المهنة الهندسية، وبالرغم من أن تقليد الخاتم الحديدي قد تمّ تبنيه من قِبل المهندسين الكنديين عموماً، فالمشاركة في المراسم ولبس الخاتم ليس بالضرورة كي تمارس الهندسة في كندا. مع ذلك، قلما يخلع المشاركون الخاتم حتى يغادروا المهنة [الهندسة]، وعند ذلك، كذلك حسب التقليد، يتمّ تسليم [إعادة] الخاتم، ويتمّ تناقل بعض الخواتم الحديدية بين أعضاء العائلة الكبار في السن، أو من الناصحين، إلى المهندسين الشباب كجزء من المراسم.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق