الطب

استراتيجيات متطورة لاستئصال الأمراض

2013 استئصال الأمراض في القرن الواحد والعشرين

والتر ر.دودل ستيفن ل.كوشي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الطب

لقد حصل نجاح مبكر في إيقاف انتشار الحصبة في غامبيا، وهي قطر يسكنه حوالي مليون نسمة ويقع على الساحل الأطلسي من غرب أفريقيا.

فقد عاد إليها انتشار الحصبة عندما لم تعد تدعم استراتيجيات منعه. فكانت غامبيا أول بلد يسعى للنمو يستطيع منع انتشار الحصبة فيه ويظهر أن استئصاله كان ممكناً من الناحية التقنية (Foege 1971).

ففي سنة 1985 طورت كوبا استراتيجية جديدة للتلقيح ضد الحصبة على المستوى الوطني تقوم على خبرة غامبيا في استئصاله، وعلى خبرتها الخاصة الناجحة في استئصال شلل الأطفال.

فقد توجه الاهتمام إلى كل أطفال كوبا بين أعمار 1 و 14 سنة، دون النظر إلى ما يكون قد سبق من إصابتهم بالحصبة أو وضعية لقاحهم، في حملة تلقيح جماعي ضد الحصبة.

ونظراً لتزايد الأطفال في سن ما قبل المدرسة المعرضين للإصابة منذ الحملة السابقة، فقد أجريت حملة شاملة أخرى ضد الحصبة في 1993، تناولت جميع الأطفال بين سن 2 إلى 6 سنوات، دون النظر إلى تلقيحات سابقة ضد الحصبة، وحدثت آخر حالة للحصبة أثبتتها المصول في حزيران 1993 (Galindo et al. 1998).

وشرع الكثير من الأقطار في ذلك الاقليم بإحداث استراتيجيات متسارعة تهدف إلى التخلص من الحصبة قبل وقت طويل من إنجاز المبادرة الإقليميةلاستئصال شلل الأطفال.

مع اكتساب الخبرات في استئصال الحصبة في عدة بلدان، وخاصة في غامبيا وكوبا فإن منظمة الصحة لعموم أميركا (PAHO) Pan American Health Organization طورت في 1994 استراتيجية اقليمية للتخلص من الحصبة التي تستمر في الاستنباط مع تراكم خبرات جديدة (de Quadros et al. 1996).

 

وفي أساسها فإن الاستراتيجية تهدف إلى الحد من انتشار الحصبة بسرعة وإلى الحفاظ على الحد من انتقال فيروس الحصبة بالحفاظ على مناعة عالية لدى السكان. فمراقبة حالات الحصبة ومراقبة فيروسه هما العنصران الأساسيان في الاستراتيجية (de Quadros et al. 1996).

أما استراتيجية استئصال الحصبة لدى منظمة الصحة لعموم أميركا فلها ثلاثة عناصر لقاح رئيسية. أولها، إجراء تلقيح حصبة لمرة واحدة يتناول "بسرعة خاطفة" Catch-up.

وتجرى المحاولات لتلقيح جميع الأطفال بين 9 و 14 من العمر دون النظر إلى تواريخهم في مرض الحصبة أو وضعهم من حيث اللقاح.

والهدف هو قطع انتشار فيروس الحصبة بسرعة من خلال إحداث مستويات عالية من المناعة ضد الحصبة عبر مجموعة أعمار واسعة من السكان، حيث يحصل معظم الانتشار له (de Quadros et al. 1996).

بعد حملة التناول بسرعة خاطفة وجهت الجهود نحو تعزيز مناعة الأطفال من خلال خدمات التلقيح الروتينية لإبطاء ازدياد الأطفال المعرضين للإصابة وللمساعدة في الحفاظ على إيقاف انتقال فيروس الحصبة. ويشار إلى مكون الاستراتيجية على أنه الحفاظ على التلقيح.

وبما أن خطر تعرض الطفل الرضيع المعرض لانتشار فيروس الحصبة ضئيل، فإن التلقيح الروتيني ضد الحصبة يمكن أن يزداد وبأمان من عمر 9 شهور إلى عمر 12 شهراً، مما يزيد في فعالية لقاح الحصبة. وبُذلت الجهود لإنجاز تغطية 90 % في كل مجموعة مواليد متعاقبة في كل منطقة (Andrus et al. 2011a).

 

وبما أن لقاح الحصبة هو فعال بنسبة تقل عن 100 %، وقلما تتحقق تغطية شاملة في التلقيح، فينتج بالتعريف أنه سيكون هناك ازدياد في الأطفال المعرضين للإصابة والرضع مع مرور الوقت، وبذلك يزداد خطر تفشي الحصبة إذا عاد دخول الفيروس.

ولخفض عدد الأطفال المعرضين للإصابة قبل سن دخول المدرسة إلى مستويات أدنى فإنه تجرى حملات متابعة التلقيح لجميع الأطفال بين سن 1 إلى 4 سنوات والمولودين منذ حملة تناول اللقاح بالسرعة الخاطفة، دون النظر إلى وضع التلقيح له أو تاريخه المرضي.

وبالإضافة إلى رفع مستوى المناعة ضد الحصبة بين الأطفال الذين سبقت مناعتهم، فإن هذه الحملات تؤمن التلقيح ضد الحصبة إلى الأطفال الذين لم يسبق تلقيحهم وكذلك لأولئك الأطفال الذين سبق تلقيحهم ولكنهم لسبب أو آخر لم يستجيبوا للقاح. وبواسطة حملات التلقيح النظامية المتكررة هذه، والتي تكمل تغطية اللقاح الحاصلة من خدمات التلقيح الروتينية، فإن الاستراتيجية تهدف إلى انجاز والحفاظ على مناعة للسكان من أعمار قبل سن المدرسة وسن أطفال المدارس (Andrus et al. 2011a,b).

أما تجديد الفاصل الزمني بين تلك الحملات المتابعة للتلقيح تغطيتها من خلال وحدة خدمات التطعيم الروتيني. إذ تجرى الحملات عندما يكون العدد التقديري لازدياد الأطفال المعرضين للإصابة قبل سن الدخول إلى المدرسة بما يقارب معدل وسطي لعدد المواليد.

وعملياً فإن هذه الحملات ستحتاج إلى إجرائها كل ثلاث إلى خمس سنوات (Andrus et al. 2011a). ومعظم الأقطار يجرونها كل أربع سنوات.

في نهاية سنة 1995، كانت جميع أقطار أميركا اللاتينية ودول الكاريبي الناطقة بالإنجليزية قد أجرت حملات تلقيح تناول بسرعة خاطفة ضد الحصبة. وقدرت التغطية الإقليمية المشتركة للتلقيح ضد الحصبة للمواليد ذوي الأعمار بين 1 و 14 سنة بـ 93 %.

وكان لحملات التلقيح بالتناول بسرعة خاطفة الوقع الفوري في خفض حدوث الحصبة في الاقليم (الشكل 1.3).

 

وبعد حملة التناول بسرعة خاطفة في بلدان البحر الكاريبي التي تتكلم الإنجليزية في 1991، مضى 14 عاماً منذ أعلن عن حدوث آخر حالة إصابة محلية في تلك البلدان. وكذلك مضى أكثر من 17 عاماً منذ أعلن عن كشف آخر حالة إصابة بالحصبة أثبتتها المختبرات في كوبا (Andrus et al. 2011a). وكنتيجة مباشرة لهذه النجاحات واستئصال التهاب سنجابية الدماغ Poliomyelitis من الأميركيتين، وضع وزراء الصحة في إقليم الأميركيتين بالإجماع في أيلول 1994 هدف استئصال الحصبة من نصف الكرة الغربي  مع بداية عام 2000.

وكانت جميع البلدان قد أزالت مرض الحصبة المستوطن مع دخول عام 2000 الذي حدد هدفاً لإنهائه. ولكنه بين 2001 و 2002 حدثت حالة تفشي حصبة فظيعة في كولومبيا وفنزويلا ناجمة عن دخول فيروس الحصبة من أوروبا. فأوقف انتقال الفيروس المستورد من النمط الجيني D9 بحملات تعقيم لاحقة في تشرين الثاني 2002. فكان ذلك التفشي يمثل آخر نقل للعدوى في الاقليم.

أما الضرر الذي أحدثه ذلك التفشي فكان هائلاً. فخلاله أعلن في كولومبيا وفنزويلا عن 139 و 2501 حالة إصابة بالحصبة بالتوالي (Andrus et al. 2010).

وبدءاً من عام 2003 عانت المكسيك تفشياً ناجماً عن دخول فيروس الحصبة من النمط الجيني HIإليها. ولم يجري سابقاً عزل هذا النوع من النمط الجيني في الأميركيتين، ولكنه منتشر جداً في الشرق الأقصى.

وبما أن مناعة السكان كانت كبيرة فقد بقي ذلك التفشي صغيراً نسبياً وتحت السيطرة. وبين نيسان 2003 وتموز 2004 أعلن عن حالات حصبة مجموعها 108، جميعها ما عدا اثنين حصلت في القطرين المتجاورين والمقاطعة الاتحادية مكسيكو سيتي (Andrus et al. 2011a).

 

وبين شباط 2006 وشباط 2007 أعلنت فنزويلا عن 122 حالة حصبة عقب دخول ما أصبح سريعاً أوسع من جميع حالات تفشي الحصبة بعد حقبة إزالته.

وحدثت ثلاثة بؤر واضحة خلال التفشي. وقد حددت البحوث النشطة للحالات خلال الفترة السابقة الصامتة بصفر من الإعلان (بين الأسابيع 27 و 43، 2006 من انتشار الوباء) 14 حالة لم يعلن عنها سابقاً. وكانت الفيروسات المحددة في جميع البؤر الثلاثة من نوع الجين B3 (de Quadros et al. 2008).

يجب توقع أن تكون المستوردات، أي دخول العدوى، هي القاعدة أو النموذج إذ كان انتشار العدوى مازال يحصل في تلك الأجزاء من العالم. فلقد أظهرت استراتيجية منظمة الصحة لعموم أميركا بوضوح أن استئصال الحصبة من الاقليم ممكن فعلاً، خاصة عندما يجرى تطبيق الاستراتيجيات بصورة جيدة. ولكن هل يمكن الحفاظ عليها ؟

لحسن الحظ فإن منظمة الصحة لعموم أميركا نصحت البلدان في وقت مبكر بأن تدخل لقاح الحصبة الألمانية الحمراء في برامج إنشاء المناعة الروتينية عندها من خلال استعمال لقاح الحصبة – الحصبة الألمانية الحمراء (MR) أو الحصبة – النكاف – الحصبة الألمانية الحمراء (MMR) الذي يمكن إقامة تحركات إضافية عليه لانجاز استئصال الحصبة الألمانية الحمراء ومتلازمة الحصبة الألمانية الحمراء الولادية (Andrus et al. 2006).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق